فكان أول تجمع للبشر بأن أحد أبناء أو أحفاد آدم ذهب هو وزوجته وأتوا بدائرة من الأولاد، فهؤلاء تزوجوا وجاؤوا بدائرة من الأولاد، فأصبحوا أولاد عم، وهؤلاء تزوجوا وجاؤوا بدائرة وهكذا نشأت عندنا القبيلة؛ تعود لجد واحد والرابطة فيها رابطة نسب، والقبيلة عندما كبرت أصحبت عشائر وأقسام وأفخاذ ولكن تربطهم رابطة القرب.
والقبائل نشأت على تجمعات الأنهار ومناطق الصيد والزراعة، فلما تزدحم منطقة زراعيًا أو تقل فيها الحيوانات أو تقل فيها الموارد إما أن يتصارعوا أو تهاجر إحدى القبائل، وإذا هاجر أحد الأفراد هو زوجته يأتي بدائرة الأولاد ثم دائرة الأحفاد ثم تنشأ قبيلة أخرى، وهكذا انتشرت القبائل وأصبح هناك تجمعات بشرية.
وهذا يهاجر إلى نبع أو نهر أو بحرية أو منطقة زراعة فينشأ النظام الإقطاعي، بحيث أن القضية قضية أراضي وصيد وزراعة.
وهكذا تنشأ التجمعات البشريّة ويصبح هنا قبيلة وهنا قبيلة أخرى وهنا ثالثة، فعندما تكبر هذه القبائل وتتسع يصبح بينهم نقاط تماس، فيتصارعون بسبب نقاط التماس على الأراضي وعلى الموارد وعلى الصواب والخطأ، يختلفون أحيانًا على أديان أو آلهة أو ضلالات أو أراضٍ فيقتتلون.
فهذا الاقتتال جعل القبيلة القويّة تأكل القبيلة الصغيرة، ثم تتجه إلى أخرى فتأكلها، فتجد تلك القبيلة أنها ضعيفة فتتحالف مع قبيلة أخرى وتضمها سلمًا، فهذه تضم تلك حربًا وتلك تضم تلك سلمًا، فيجد شيخ القبيلة أنه أصبح عنده أراضٍ كثيرة وموارد كثيرة، وشيئًا فشيئًا يبني له أصحابه -الذين يحبون أن يتقربوا من أصحاب السلطان- عريشًا من الخشب ثم يبنون له بيتًا من الطوب ثم يعمرون له قلعة، ثم بنوا لها سور ثم بنوا له حصن، فتحول شيخ القبيلة إلى ملك، والملك عمليًا هو زعيم قبائل.
وما جرى في نظام القبائل يجري في نظام المملكة، فيكون هناك مملكة لها حدود وسلطان تجمع مجموعة من القبائل فتمتد، والمملكة الأخرى تمتد إلى أن تحصل نقطة تماس بين المملكتين، فالملك الكبير يأكل الملك الصغير كما يأكل رئيس القبيلة الكبير رئيس القبيلة الصغيرة، فالمملكة عندما تتسع وتأكل ممالك تصبح بما يعرف بالدول الإمبراطورية، مثل إمبراطورية الصين وإمبراطورية الهند.