إذًا تحدثنا عن بعض المقدمات في مسألة نشوء الحضارة وذكرنا نظرية ابن خلدون في نشوء واندثار الحضارات، ووصلنا إلى سنة 570 م، وكان النظام الدولي: الفرس × الروم.
هناك قضية هامة جدًا وهي حديث للرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول فيه:
(تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله لكم، وتغزون فارس فيفتحها الله لكم، وتغزون الروم فيفتحها الله لكم، وتغزون الدجال فيفتح الله لكم.) [1] ، وفي رواية أخرى: (فَارِسُ نَطْحَةٌ أَوْ نَطْحَتَانِ ثُمَّ لَا فَارِسَ بَعْدَهَا أَبَدًا .. ) ؛ أي معركة أو معركتان ثم لا تكون فارس بعدها.
ثم بيَّن لنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - يحدّد أصل المعركة الأساسية فقال: (وَالرُّومُ ذَاتُ الْقُرُونِ أَصْحَابُ بَحْرٍ وَصَخْرٍ كُلَّمَا ذَهَبَ قَرْنٌ خَلَفَ قَرْنٌ مَكَانَهُ , هَيْهَاتَ إِلَى آخَرِ الدَّهْرِ هُمْ أَصْحَابُكُمْ مَا كَانَ فِي الْعَيْشِ خَيْرٌ) [2] .
فالروم تكون لها قرون؛ أي دولة بعد دولة، ونبقى نقاتلهم بأشكال متعددة، والمسلمون يكون لهم دولة بعد دولة؛ بنو أمية، بنو العباس, بنو عثمان .. إلخ، ويبقى صراع المسلمين وقتالهم الأساسي مع الروم.
فمن خلال الاستعراض التاريخ للنظام الدولي والصراع الدولي نجد أن هذا الحديث النبوي ثبت فعلًا تاريخيًا؛ فبالإضافة لكونه حديثًا ونحن نؤمن به ونصدّق به، فقد ثبت تاريخيًا أن الصراع المسلمين منذ الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى صراعنا مع شوارزكوف وكلينتون كان مع الروم، وسيبقى الصراع مستمرًا مع الروم حتى تبدأ الملاحم.
وفي الحديث للرسول - صلى الله عليه وسلم - في صحيح مسلم: (تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ) [3] ، يعني الروم يكثرون لخصال فيهم وهنا أثر مهم لعمرو بن العاص -رضي الله عنه- يفسّر لماذا بقي الروم بهذه الكثرة إلى آخر الزمان [4] . فصراع المسلمين وجهادهم الأساسي هو مع الروم.
فسنستعرض هكذا سريعًا بعض الأمور في التاريخ فلو استطردنا في الشرح فسيطول الأمر، فنحن نريد استعراض التاريخ من آدم لكلينتون يعني استعراض كل التاريخ ونحن نريد أن نتكلم في ربع ساعة، فأنا أختصر منه ما يلي:
(1) مسند الإمام أحمد (1541) ، وصححه الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه.
(2) مسند ابن أبي شيبة (19342) .
(3) صحيح مسلم 2898.
(4) يقول عمرو بن العاص كما في صحيح مسلم (2898) :"إِنَّ فِيهِمْ لَخِصَالًا أَرْبَعًا: إِنَّهُمْ لَأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ، وَأَسْرَعُهُمْ إِفَاقَةً بَعْدَ مُصِيبَةٍ، وَأَوْشَكُهُمْ كَرَّةً بَعْدَ فَرَّةٍ وَخَيْرُهُمْ لِمِسْكِينٍ وَيَتِيمٍ وَضَعِيفٍ، وَخَامِسَةٌ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ: وَأَمْنَعُهُمْ مِنْ ظُلْمِ الْمُلُوكِ"اهـ.