أنفسنا بأن الحقائق المشتهاة كثيرًا ما أثبتت التجربة أنها دون ما كان متوقعا، وأن الخيال أفسح رحابًا وأوسع آفاقًا؛ فهو أقدر على إمتاعنا. وأن الحقيقة نفسها إنما تكون ممتعة وجميلة بفضل الخيال، ولولاه لما كان لها طعم ولا فيها متعة. فعمل الخيال لابد منه للإمتاع على كل حال سواء أكنت آكلا بالفعل أم متوهمًا أنك تأكل؛ والفضل والمزية للخيال لا للمادة فإنها بمجردها لا شيء، وإنما تكون شيئًا بما يفيضه عليها الخيال من السحر والفتنة وما يضفيه عليها ويفيضه إليها ويزينها به
وعلى ذكر فلسطين أقول إني أحب السفر إليها لأنها لا تكلفني إلا أجرة القطار. أما الأكل والنوم والنزهة فعلى الله والإخوان بارك الله فيهم. وقد حدث في العام الماضي أني تعبت من العمل المتوالي فأشاروا علي بالراحة. فقلت اذهب إلى فلسطين. وكان الوقت شتاء والبرد في جبال فلسطين يكون قارسًا. فقال لي صديق اذهب إلى الأقصر فقلت: فلسطين أفضل، فاستغرب وبدأ يجادل، فضاق صدري وقلت له: يا أخي إن الأقصر تحتاج إلى مال كثير، أما فلسطين فيكفيني أن تكون معي أجرة القطار
ومن الغرائب التي لا أظن أن كثيرين وقع لهم مثلها أني كنت مرة في جزيرة مع إخوان لي، فقلنا: نصيد سمكا نشويه ونأكل منه في يومنا هذا، فاخترنا شرمًا يضرب الماء فيه ويمعن في البر لأنا قدرنا أن يكثر فيه السمك، وجئنا بديدان اتخذناها طعامًا وجلسنا ننتظر أن يخدع السمك. فمضت ساعة وأخرى ونحن لا نظفر بشيء، فنفذ صبر أحدنا فتركنا وغاب شيئا ثم عاد بفونوغراف أداره وهو يقول مازحا: (لعل السمك يحب الموسيقى. . من يدري. . أليس له حاسة فنية؟) فسرنا أنا وجدنا شيئا نتسلى به في هذه الجلسة المملة، وإذا بالسنارة التي كانت معي تضطرب وتنجذب إلى الماء، فشددتها فخرجت سمكة حسنة، فصحت بصاحبي (أعد! أعد. . أعني للسمك فما جاء إلا على الموسيقى) وكنت أنا أيضًا أمزح، ولكنا ما لبثنا أن وجدنا هذا حقيقة. فكان السمك يكثر ويشتد إقباله على الناحية التي نكون فيها إذا أدرنا الفونوغراف، ويقل ويذهب عنا إذا سكت. ولو كانت معنا مجموعة وافية من الاسطوانات لا استطعت أن أجرب أي الأدوار أحب إلى أي أنواع السمك، ولعرفت أي الأسماك تحب التانجو وأيها يؤثر الفوكس تروت وهكذا. وقد اتفق منذ بضعة شهور وأنا في العراق أن كنا مدعوين إلى الغداء في بيت على نهر دجلة - والعراقيون