خارون ليركبا في زورقه ولكنه يغضب حين يرى إينياس ما يزال حيًا ببدنه وعليه عدة حربه وعتاده، ويسأله بأي حق جاز إلى هنا، فتتولى سيبيل الإجابة وتخبره أنه لن يأتي محرمًا في الدار الآخرة، وغرضه أن يرى أباه فحسب ويكلمه ثم يعود أدراجه؛ وتريه الغصن الذهبي الذي احتمله بيمينه هدية لربة الموتى بروزربين، فيرضى، ويبتسم. ويحملها في زورقه إلى العدوة الآخرة. وما يكادان يطآن الشاطئ حتى يفجأهما الكلب الخبيث سيربيروس، ذو الرؤوس الثلاثة تقذف اللهب، وعليها الأفاعي تنفث السم، فيوشك يفتك بهما، لولا أن تقذف له سيبيل كعكة بها مخدر عجيب فيلتهمها ويستلقي على رمال الشاطئ، ويجوزان قليلًا فيسمعان أصوات أطفال صغار ماتوا قبل أن ينهلوا كوثر الحياة فأقاموا هنا، وعلى مقربة منهم أرواح الذين ماتوا ضحية تهم باطلة وقد قام بينهم القاضي مينوس يفحص قضاياهم ثم يمران بأرواح اليائسين من الحياة الذين ضاقوا بجدها ذرعًا فماتوا منتحرين. وهم الآن يتمنون لو عادوا إلى الدنيا فيعملوا من الصالحات ما يشفع لهم ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار، وينطلقان فيجوزان بدركات الأحزان التي ازينت طرقاتها بأزاهير الآس فيريان أرواح الذين ماتوا دون أن يقضوا مأربًا من حبهم الذي خلعوه على عذارى الدنيا، فباءوا هنا بألم لا ينجيهم منه حتى الموت نفسه: ويشهد إينياس بينهم روح حبيبته ديدو التي ما يزال جرحها داميًا ينفج، ويكلمها ويحزن لها، ثم يبكي بين يديها بكاء مرًا (و. . . حبيبتي ديدو!! لا تتهميني بما أنت فيه من ضنى وتعذيب! فقد سخرتني الآلهة لأمر سماوي؛ وكان لزامًا علي أن أطيع؛ فقفي وكلميني، ولا تحرميني حتى كلمة وداع هينة عليك! وتقف ديدو بعيني حزينتين تفحصان جمرات جهنم، وتسير مسافة فيتبعها إينياس، ولكنه يعود بعد إذ لا يقوى على زفير السعير!!) . ثم يعبران فيمران بأودية أرواح الشهداء، ويحدق به أصحابه من محاربي طروادة مشدوهين ذاهلين، يسألونه فيم أقبل، وحين يلمحه أبطال الإغريق مقنعًا في حديده مقرنًا في سلاحه تطير قلوبهم ويهربون منه في أودية النار خوفًا وهلعًا! وتستحثه سيبيل فيهرول وراءها حتى يكونا عند مفرق طريقين يؤدي أحدهما إلى الفردوس (إليزيوم والآخر إلى هاوية من هاويات جهنم حيث يقر المجرمون الذين لطخوا حياتهم بالآثام، ويشهد إينياس على أحد جانبي الطريق مدينة منيفة عالية الذرى، ذات سور ضخم وبرج مشيد، تحيط بها أمواه فيليجيتون - أحد أنهار