الإغريقي الشهير الذي عاش في القرن الثالث قبل المسيح يحدثنا في كتابه (حياة الفلاسفة) عن فلسفة المصريين والفرس في العصور الغابرة حديثًا ممتعًا يدل دلالة قاطعة على أن الشرق قد سبق الغرب إلى الفلسفة بزمن بعيد. وأنه كان أستاذه في كل ما وراء الطبيعة كما كان أستاذه في العلوم الطبيعية والرياضية بأنواعها، وأن الغرب جلس في الأزمان المظلمة مجلس التلميذ المستلهم من الشرق العالم المستنير.
فأنت ترى تعارض هاتين الفكرتين وتصادمهما منذ أكثر من ثلاثة وعشرين قرنًا، وترى كذلك أن لكل منهما أشياعًا ومؤيدين، ففريق يسلك منهج أرسطو فيؤكد أنه ليس للشرقيين فضل في هذه الثروة العقلية العظيمة إلا ما ظهر لفلاسفتهم بعد الإسلام من مجهودات في شرح الفلسفة اليونانية وتوجيهها؛ أما في العصور الأثرية فلم يعرف التاريخ عنهم إلا الدين المقيد بالوحي ولم يحفظ لنا عنهم مجهودات شخصية تشرف العقلية البشرية، بل إنهم نسبوا كل شيء عندهم إلى السماء، حتى تلك المتناثرات الأخلاقية المنتزعة من الفضائل العملية والمصوغة في حكم مقتضبة، ويتخذون دليلًا على هذا ما تزدحم به كتب التاريخ من ازدهار الدين وإجداب الفلسفة في الشرق كل هذا الوقت الطويل الذي تلا العصور الأثرية، ويقولون: إنه لو كان للشرق فلسفة لشملها ناموس التقدم ولشاهد العالم تطوراتها المختلفة كما حدث في بلاد الإغريق. ومن أشهر أصحاب هذا الرأي في العصور الأخيرة (بارتلي سانت - هلير) إذ يقول في مقدمة ترجمته (للكون والفساد) ما نصه: (أما من جهة الفلسفة الشرقية فإننا لا نعرف، بل ربما لن نعرف أبدًا من أمرها شيئًا معينًا بالضبط فيما يختص بعصورها الرئيسية وانقلاباتها، فإن أزمنتها وأمكنتها وأهلها تكاد تعزب عنا على سواء. إنها مستعصمة دون إدراكنا مدعاة للشكوك لما يغشاها من كثيف الظلمات، حتى لو عرفنا منها هذه التفاصيل مع الضبط الكافي لما أفادنا ذلك إلا من جهة إرضاء رغبتنا في الاطلاع دون أن يتصل بنا أمرها كثيرًا. إن الفلسفة الشرقية لم تؤثر في فلسفتنا مع التسليم بأنها تقدمتها في الهند وفي الصين وفي فارس وفي مصر فإننا لم نستعر منها كثيرًا ولا قليلًا. فليس علينا أن نصعد إليها، لنعرف من نحن ومن أين جئنا
ثم قال:
ولقد تصديت فوق ذلك لتبيين أن العبقرية الإغريقية هي التي دانت العالم بهذا النفع العلمي