ليستخدمه الإنسان في الدفاع عن نفسه، والتغلب على أعدائه من الحيوان، وفي حفظ بقائه، وفي الرقي بحياته وتوفير أسباب سعادته بعد ذلك، ولولا هذه الغاية لما وجد أصلًا. . . ولقد جرب العقل الفلسفة فوجدها عاجزة كل العجز عن إبلاغه هذه الغاية، لأن الفلسفة كما لا يخفى عليك كلام في كلام؛ والكلام لا يستطيع أن يقتل حشرة، أو يهلك مكروبًا، أو يصنع طيارة. لذلك تركها وأساليبها و (قيمها) وخرافاتها، وسلك هذا المهيع السوي، والطريق الواضح، طريق العلم. . . فلم يلبث حتى رأى نتائجه المحسوسة الباهرة. . . فالعلم إذن آخر مظهر من مظاهر الرقي العقلي، وآخر اتجاه اتجه إليه العقل. وليس من البعيد جدًا أن يتفق العلم والفلسفة والدين على أية صورة من الصور، ولكن دوره سيظل هو هو لا يتغير ولا يتبدل ودوره هذا لا يقتصر على تخليص البشرية من جميع أعدائها ولا على إسعادها ماديًا، فحسب، بل هو يشتمل على إسعادها فكريًا، وتلك هي غايته العليا
تقول: (إن الاختراعات ليست خيرًا كلها، وليست نفعًا للبشرية مطلقًا) وهذا صحيح، أو هو صحيح إلى حد ما؛ والمفهوم منه أن أكثر الاختراعات خير، وإن لم تكن كلها خيرًا؛ ولكنك لا تلبث حتى تنقضه بهذا التقرير (الحسابي) الحاسم، وهو أن العلم (شره بخيره والنتيجة صفر) . . . صفر!!
وتقول: إن العلم (سهل المواصلات وهونها، فقرب البعيد، وأراح المسافر، ووفر عليه صحته ووقته، ولكن هل أسعد ذلك البشرية؟)
بالطبع والأدلة موجودة في السؤال. ولكنك ترى غير هذا الرأي، وتجيب جوابًا لا صلة له البتة بالسؤال. فوسائل المواصلات الحديثة لم تسعد البشرية، ولماذا؟ لأننا لم نعد نتحمل آلام المسافات الطويلة، أو نتعرض لمخاوفها، فخسرنا الصور والمشاعر (وصرنا نقطع طريقنا إلى القبر عدوًا ونحن مغمضو عيوننا. . . لم نر من لجة الحياة إلا سطحها الساكن البراق!) . . . وهذا بالطبع دليل ساطع قاطع على أي وسائل المواصلات الحديثة لم (تسعد) البشرية. . . صحيح!!
ثم تقول إن العلم تغلب على كثير من الأمراض، ولكنه هو الذي جاء بها، جاءت بها الحضارة، (وهذه فكرة خاطئة عن صلة العلم بالحضارة، وليس هذا موضع بحثها) فهو لا يزال مدينًا. . تقول هذا ناسيًا ناحية مهمة، وهو أن الحكم على العلم وموقفه من الأمراض