غروفًا، وجده مصفوفًا، وأن صادف نزوعًا أعوزته الآلة والمعين، فبينا هو كذلك هجم على رجل ينزع بغرب، فشكا إليه فرط الكرب. فقال: ريك إن شاء الله قريب فأعني على انتزاع المروية، فلما كان الغرب بحيث يريان غدرت الوذم، وخان العناج.
حائر والحيرة توجب عليه الحذر والاحتياط. فهو ليس على بينة مما يراد به وبالكون، فهو إذا قال: (ما أنشأك ربك لعبث) ، واثق أنه لم يخلق لعبث، وإن لم يستبن وجه الحكمة في هذا الإنشاء، فهو يحتاط ويحذر مما قد يكون من أمر هذه الحكمة فيقول: (أنا عن القبيح والرفث، وسبح في النهار والملث) وهو يصرح بأن: (الحازم الذي لا يأبس، يمجد الله ويقدس، وبغير طاعته لا ينبس، لعل الأجل يدركه من أهل الصفاء) . أما ما دون ذلك فهو لم يجزم بشيء أبدًا. فطبيعته تقتضي إلا يكون هناك يأس، وهي كذلك تقتضي أن لا ثقة؛ وإنما هو يقول: (أحسنوا إملاءكم جماعة الملأ، فسوف ينفد العدد ولو أنكم الرمال، وتخبو النار ولو هجم على لهبها النجوم، وتخف بكم النوب ولو أنكم الجبال حلومًا، الظالم بئس ما فعل، والمظلوم ضعيف مهتضم. فسعد امرؤٌ لا ظالمًا وجد ولا مظلوما) . فهو لا يأمن لشيء ولا يثبت شيئًا، وإنما يأمرك بالحيطة والحذر لأنه لا يدري يقينًا مما يراد به شيئًا، ولا يشك فيه شكًا صريحًا. فإذا ما كان الله حكيمًا، وهو ما يقرره المعري تقريرًا، وإذا ما كانت حكمته خافية فالخير للإنسان أن يحذر ويحتاط. وهذا الحذر والاحتياط لن يحصلا إلا بالعبادة والنسك والتطهر والتحلي بالفضائل؛ ولكن ما هي هذه الحكمة؟ ما شأنها؟ لم أجرت أمورًا على وجه دون آخر؟ لم تسخر من كفاح الإنسان وتفرض عليه ما تريد! لم لا تعدل بين المخلوقات: بين الإنسان والحيوان والجماد، بل بين الإنسان والإنسان، والإنسان والحيوان والحيوان؟ على أي أساس بنت أحكامها هذه؟ هو لا يدري من كل ذلك شيئًا فيحار حيرة تأتيه من رفضه رفضًا شديدًا أن يكون العالم ليس بذي حكمة، وأن يسير إلى غير غاية والى غير غرض، ويرمي إلى غير قصد.
وأبو العلاء مؤمن بأن هذه الحكمة تنظم الكون، وتسيطر عليه سيطرة لا تدع لقوة ما أن تمد هذه السيطرة (فرب نطف. . . يعطف إلى الخير فلا ينعطف، وكيف ولم يأذن خالقه بانعطاف) أو تحول من حكمها شيئًا (فيأيها الجامح لا يغنيك الجماح، المالك اضبط لك من عائشة لما وقع في النزوع، جل عن التشبيه والقياس في لجامك أظراب كالظراب) وأنها