أرادت هذه الفرقة أن تساهم في الحفلة الموسيقية التي أقامتها وزارة المعارف في دار الأوبرا الملكية احتفاء بصاحب السمو الإمبراطوري ولي عهد إيران، لأنها تعيش على أموالها، وتعتمد على مشورة رجالها، فاختارت أن تمثل لهذه المناسبة في حضرة المليك العظيم وأمام الخاطب الكريم ملهاة (المتحذلقات) لموليير، وموضوعها كما تعلمين خطبة عابثة هازلة، يلبس لها خادمان لباس النبلاء ويخدعان بالحذلقة الغبية امرأتين من أغنى النساء!
كان من السهل لو كان للوزارة (فرقة) ، وللفرقة إدارة، وللإدارة دراية، أن تطلب إلى كاتب من كتاب المسرح أن يقتبس لها في هذه المناسبة السعيدة موضوع مسرحية ذات فصل واحد من شاهنامة الفردوسي، كحكاية شيرين، أو قصة زهراب ورستم، فيكون تمثيلها أمام الأمير وحاشيته أبلغ في معنى الحفاوة، وأبين عن سمو الذوق، وأدل على أن في مصر تمثيلًا له أدبه المحلى وطابعه الخاص وروحه المميزة. أما متحذلقات موليير فقد مضى على تأليفها مائتان وثمانون سنة، قرأها فيها كل بلد ومثلها كل مسرح؛ فلو لم يدل اختيارها على سقم الذوق لسوء المناسبة، لدل على عقم الأدب لضرورة الاقتباس. ورحم الله من طلب إلى (غزلانزوني) في سنة 1871 أن يؤلف له (عايدة) لتمثل في هذه (الأوبرا) أمام الأضياف الأوربيين في مهرجان قناة السويس، فقد كان أسهل عليه وأسرع له أن يأمر الممثلين أن يمثلوا له ما شاء من الأوبرات الإيطالية والروايات الفرنسية؛ ولكنه لسمو نفسه وصفاء حسه أراد أن يكون الموضوع مصريًا واللون محليًا والتمثيل جديدًا فكان له ما أراد!
والموسيقى - ومظهر الفن المصري فيها (معهد فؤاد الأول للموسيقى العربية) - كانت ضربًا من السأم والغثاثة لا نعرف له ضريبًا في موسيقى الأمم. فقد أقام هذا المعهد كذلك في داره حفلة ترحيب وتسلية للأمير الخاطب، فكانت ألحانًا مكررة، وأصواتًا منكرة، وبشارف وتقاسيم وأدوارًا يعزفها لقلتها البادئ والمنتهى، ويعرفها لشيوعها الموسيقار والسامع، ولا تكاد الأذن الفنانة المرهفة تنفتح لنغماتها التقليدية المكرورة أكثر من دقائق! وما دامت موسيقانا تسير على نهج (التخت) في وضعه التمثالي الجامد، فهيهات أن تشيع فيها الروح، وتظهر عليها الجدة، ويرتاح إليها الشعور. وأعجب العجب أن هذه الموسيقى