ولكن الأمر ليس كذلك. فبعض ما يدرس على الناس في ثوب الفن ليس فنًا، وبعض ما يساق إلى الناس مجردًا من ثوب الفن هو في الحقيقة فن. ولا بد أن يكون القارئ قد سمع لحنًا من الألحان قال عنه صاحبه ومن يروجون له، إنه موسيقي وجعلوا دليلهم على قولهم أن فيه تطبيقًا عمليًا لقوانين الأصوات والأنغام في الوقت الذي لم يستشعر حين سمعه إلا هذا التطبيق العملي وحده لهذه القوانين دون أن يدفع هذا اللحن إلى نفسه عاطفة ينقلها من نفس صائغه، أو خيالًا ينبعث من روحه، ويعبر عن إحساسه وذوقه وذاته. هذا بينما لا بد أن يكون القارئ قد راعه يومًا شراب أو عطر ألفه كيميائي ممن تنفذ نفوسهم وأذواقهم إلى تطبيقهم العملي لقوانين المادة وعناصرها. وكما أنه لا بد أن يكون قد سمع عن نسبة أينشتين، فأحس ما قيل عن غموضها وتعقيدها وتساميها أنها ليست تطبيقًا مجردًا لقوانين الأعداد وإنما هي حسبة فيها شيء من روح أينشتين نفسه لم يصل إليها إلا لأنه يتجه في تطبيقه لقوانين الأعداد اتجاهًا خاصًا به هو، مرجعه إحساسه الذي قاد تفكيره.
فإذا سلمنا بهذا استدعى الإنصاف أن نحكم على ذلك الموسيقي الذي لا يضع في لحنه إلا التطبيق العملي لقوانين الصوت والأنغام بأنه غير فنان. وعلى هذا القياس كان غير فنان كذلك كل من يتصدى لأي فن من الفنون وليس معه إلا ما اكتسبه من معرفة القوانين الخاصة بهذا الفن، ومعرفة طرق تطبيقها. كما أن الإنصاف يستدعي إلى جانب هذا أن نصف بالفن كل من ينتج إنتاجًا فيه من نفسه وذوقه كأينشتين الذي ابتدع النسبية وككل كيميائي يبتدع شرابًا أو عطرًا فيه من ذوقه.
والنتيجة اللازمة لهذا هي أن ينهار هذا التعريف الذي وضعه علماء البلاغة والتربية والمنطق وأمثالهم للفن. فهو تعريف غير جامع مانع كما يقولون هم، لأنه يسمح للأدعياء بالدخول في زمرة الفنانين، كما أنه يحرم فنانين صادقين من الاستمتاع بحقهم الطبيعي في الإنصاف بالفن بينما هم جديرون بأن يتصفوا به
وما دام هذا التعريف قد انهار فقد لزم أن نبحث عن تعريف آخر نقيمه مقامه ويكون فيه الجمع والمنع اللذان تتطلبهما صحة التعريف
أما أنا فأحب أن يكون تعريف الفن هو هذا العنوان الذي رصدته على رأس هذا الحديث وهو أن الفن هو الإنتاج الروحي. ولست أرى من عيب لهذا التعريف إلا أنه يسمح لكثير