إلى الرحيل فيختار إنجلترا ويسعى إليها عام 1837 وهو في الثانية والثلاثين من عمره
وفي لندن يحيا حياة طليقة حرة فيظهر بشخصه في المجتمعات ولا يلجأ إلى الاختفاء ولكنه يضيق أول الأمر بجو لندن وحياتها الصاخبة وضبابها المقبض، ويذكر ما خلف وراءه من شمس منيرة وسماء ضاحية وفضاء رحيب منضور الجوانب مسكي النفحات، وهو بطبعه شاعر يهفو لجمال الطبيعة قلبه، فلا عجب أن تقبض صدره عيشة لندن التي أحس منذ وطأتها أقدامه أن المادية فيها هي أساس كل شيء، وأن الروحية فيها غريبة شريدة مثلما كان هو غريبًا شريدًا
ولئن منح حرية التجول والعيش السافر، فلقد وجد أمامه من دوافع العزلة والقبوع في داره ما لا يقل إيلامًا عن نوازع الرجعية والاستبداد وذلك هو الفقر؛ الفقر الذي تركه رث الثياب حتى ليتواري من الخزي عن الأعين، الفقر الذي جعله يرهن ما حمل معه من ضئيل المتاع ليقتات والذي اشتد به زمنًا حتى لقد راح ذات يوم يرهن ملابسه من أجل بعض دراهم، وذهب مرة أخرى يرهن حذاءً له ليشتري به طعامًا لغده
وأخذ يبحث عن عمل يمسك من ورائه رمقه، فلم يجد إلا أن يكتب بعض المقالات في بعض الصحف، على أن أجره على ذلك كان ضئيلًا وكان المترجم الذي ينقل كلامه إلى الإنجليزية يحصل على نصيب من هذا الأجر
ومن غريب أمر هذا الطريد النازح أنه كان لا يبخل في غربته على غريب غيره بماله على قلته، فكلما اكتسب شيئًا منه أو أرسلت أمه شيئًا وجاءه أحد معارفه يسأله العون مدّ يده إليه بما تملك وهو في أشد الحاجة إلى من يعينه، حتى الملابس لقد كان يجود بما ترسله إليه أمه منها على الغرباء من بني وطنه لتقيهم غائلة البرد في لندن، وحسبه هو دفء قلبه وابتهاج نفسه بما تقدم يداه
وكان يستدين على ما كان في الدين من مذلة، ثم يحاول أن يسد دينه بقلمه فيفلح حينًا ويفشل أحيانًا فأضاف ذلك إلى آلامه وأشجانه ما نعجب كيف أطاق احتماله!
على أن أعظم ما نال من نفسه بعده عن بلاده وقصر ذات يده عن مواصلة جهاده في سبيل تحريرها، ومخافته في هذا البلد النازح من أن تموت مبادئ جمعيته فتنحل وينساها أعضاؤها، وفي ذلك الطامة الكبرى والبلاء الذي لا يجدي معه صبر ولا تنفع فيه حياة