عندما استعصت فانقلب عليها مستهجنًا ولكن كما يغضب الطفل على مشتهاه إن قصرت عنه يداه.
-فالمتنبي عندك رجل سوء.
-لا. ولا يمكن أن يكون كذلك. فالرجل الذي يغاضب أصحاب السلطة حين يشعر أن كرامته مست لا يمكن أن يكون رجل سوء. وإنما رجل السوء الذي تمس كرامته كل يوم فيرضى، والذي تهون عليه الإساءة بما يأكل من السمن والعسل. . . هبي المتنبي احتمل سيف الدولة، وطأطأ الرأس لغضبه، وهبيه لأن الكافور واستمسك بعشرته وتعلق بنعمائه. . . أفما كان يستلزم منه هذا أن يسكت عن الإفاضة بما يشعر به من وخز الألم، أو أن يفيض بالذي لا يشعر به من الراحة والسعادة؟ وهبيه قد فعل هذا. . . أفما كنا نخسر هذه الثروة الفنية التي خلفها لنا غضبه والتي بعثتها ثورته؟ ثم ألم يكن المتنبي مضطرًا في المجاملة أن يقول شعرًا كذبًا ككل شعر كذب قيل في عصره فمات ولم يخلد غير شعر المتنبي. . .؟
-ولكن المتنبي قال شعرًا كذبًا
-أي شعر هذا الكذب الذي قاله؟
-مدحه الأول لكافور. . . أفكان كافور يستحق أن يمدحه شاعر كالمتنبي. . .؟
-ولم لا؟ ألم يمدح الشعراء الحيوانات؟ كافور رجل أحسن الظن بالمتنبي في البدء، وأحسن على هذا استقباله، وأحسن بعد هذا تكريمه، وكل هذا جدير بأن يبعث في نفس الشاعر الراحة وهذه الراحة تبعث في نفسه حب جالبها، وهذا الحب يبعث المدح. . . على أنك إذا قرأت مدح المتنبي لكافور رأيت فيه تحوطًا ملحوظًا، ورأيت المتنبي يقول وكأنه يحس أن مدحه أكبر من ممدوحه، ويكفيك هذا - فيما أظن - تصويرًا صادقًا لإحساس هذا الفنان الذي رأى رجلًا هو يعرف النقص فيه ومع هذا فهو يحبه لتكريمه إياه. . .
-إذن فالمسألة تدخل فيها الاعتبارات وليست مجردة منها، والمتنبي كان يحب الذين يعطونه لا الذين يستحقون حب الإنسانية الخالصة. . .
-هذا عيب كان في المتنبي، وأنت تلحظين هذا العيب وتذكرينه، وأنا أوافقك على ذكره وأعده من مساوئ المتنبي لا من حسناته، وأزيد على ذلك فأقول لك أن هذا العيب هو الذي