أو قط، ولم أكن رأيت نمرًا من قبل إلا في حديقة الجيزة بالقاهرة. فجفت والله وشعرت من الفزع كأن العقال طار عن رأسي ورجع، وما أنا بالجبان ولا الرعديد، ولقد عرضت لي الضبع مرة، فما رأيت فيها كبير شيء، ولكن النمر في البادية في الليل لا يرى منه إلا عينان كأنهما جمرتان؛ لا، إن هذا مخيف، أما الأعرج فما كان منه إلا أن مد بندقيته وأطلق رصاصها على عيني النمر فأخطئهما وانتقل ضوئهما المرعب إلى جهة أخرى، فماد فأطلق ناره فأخطئه، وأبتعد النمر. . . فالتفت الأعرج ليعود فقلت: ويلك ماذا تصنع؟ فقال: وماذا تريد أن اصنع؟ لقد ذهب! قلت: أفلا أوقظ الركب؟ قال: لا، بل نم أنت أيضًا وتركني الخبيث وذهب فنام وأنا اسمع غطيطه؛ ومرت عليَّ ليلة وأين منها ليلة النابغة؟ كاد يقتلني النعاس، وكلما غفوت توهمت النمر يحملني بين أسنانه كما تحمل الهرة الفأرة، فأفيق مضطربًا أنظر حوالي وأنا أتعوذ حتى طلع الفجر وما أدري كيف طلع! هذه هي ليلة الخوف عندي، فمن سخر من خوفي فأنا اسأل الله أن يريه نمرًا في المنام لا في اليقظة لينظر ماذا يكون من أمره. قمنا - على عادتنا - في الغلس فشهدنا طلوع الفجر ونحن نعد الطعام ونهيأ للرحيل، ولقد كنا نسمع بالفجر سماعًا ونقرأ صفته في الكتب، ونعلم أن في الدنيا فجرًا كاذبًا وفجرًا صادقًا ولكنا لم نره عيانًا ونعرف صادقه وكاذبه إلا في الصحراء؛ وتركنا ساح الغزوان قبل أن تطل الشمس على الدنيا متوجهين إلى الجنوب. فلم نسر إلا قليلًا حتى كثرت من حولنا الهضاب، فكنا نوالي الصعود والهبوط، واستمر ذلك نحو تسعة أكيال، ثم انقطعت الهضاب وابتدأت القور وهي كالأكم ولكنها مؤلفة من الصخر الأسود، وربما كانت القارة صخرة واحدة عظيمة أشبه شيء بالمخروط الناقص (عند أهل الهندسة) ، وكانت هذه القور صخورًا مطبقة هرمة كالتي وصفنا آنفًا، فكنا ندور بالسيارات فيما بينها ونمشي خلالها، وامتدت بنا ستة أكيال، ثم انتهينا إلى سهل مبسوط كالكف سرنا فيه كيلين، ثم عادت الهضاب والقور تتخللها أراضٍ منبسطة وامتد بنا ذلك عشرة أكيال، ثم عرضت لنا حجارة كبيرة ملئت الأرض ولقيت منها السيارات شدة وبلاء، ثم أخذنا بالصعود، نرتقي سفوحًا وعرة صعبة، إلى أن غبنا بين جبلين عاليين صخرهما من ذلك الصخر المطبق الهرم الذي يتفتت، فسرنا خمسة أكيال فانتهينا إلى بقعة قال الدليل إنها ملتقى طريق الجوف (أي دومة الجندل) بطريق المدينة