نكوص. ولو نكث لما صدقه من بعد ذلك أحد، ولا صدق هو نفسه. ولقد بقى في أذنه من كلام الفتاة لفظ (الأمل) . إنه سيظل حيث هو، جاهدًا في طريقه متحملًا ما لا تقوى على تحمله الجبال، آملًا أنه في النهاية سيرى بارقة الرضا في وجه ربه الكريم. . . ولكن الآن! الآن! الحياة كلها أمامه في متناول يده. آلاف الأصوات في تناديه: أقبل! اشرب! إنني عطشى.
وكان القديس لا يزال يعظ، ورويدًا رويدًا طأطأت الرؤوس على الصدور، وتصاعدت الآهات، وانفجرت الدموع، وركع الجميع أمام القديس، يلثم رداءه من لم يستطع الوصول إلى يديه المرفوعتين نحو السماء.
وترك الثري مائدته ووقف يقول للقديس بصوت يغالبه البكاء:
-أسلمت قيادي إليك. فأنا منذ اليوم من أتباعك، سأترك القصر وما فيه من متاع وما حوله من ضياع، سأترك مخازني، بعتيق شرابها، والحقل بعجيج دوابه سأتبعك كظلك، ولن أكون وحدي، بل سيتبعني أيضًا كل هؤلاء: زوجي وأبنائي وزوجاتهم وبناتي وأزواجهن والأصهار وأبناء العمومة والخؤولة وكل من انتسب إليّ من خدم وحشم وأتباع. أرنا الطريق ونحن في أثرك.
لم يحر القديس جوابًا، لم يتعقد جبينه، فهو وضاء منير. ولم يزم شفتيه؛ فابتسامته الجميلة هي هي، ولكنه غائب عن الجمع، نظرته تائهة، لعله يستمع إلى وحي خفي يقول:
-لو تبعوك لخرب القصر وبارت الأرض ونفقت الدواب ومن أين لك إطعامهم وإيواؤهم وإيجاد عمل لهذا الجيش العرمرم. هل سيتكففون الناس مثلك؟
لم ينقص إيمان القديس ذرة، ولم يهتز لحظة، فكيف يكون قديسًا إذا بدت له المسائل كما تبدو لبقية الناس متناقضة مضطربة، مضحكة مبكية، لهؤلاء القديسين نظرة تشمل الكون وتفهم الأسرار، فما يبدو عجيبًا هو ذات الحكمة، وما يبدو متناقضًا هو عين الاتساق.
قال القديس بصوت كأنه يخرج من كهف عميق:
-يا بنيّ! أحمد الله أن هداك أنت ومن معك للحق. . . على يديّ! إن الطريق الذي تريد أن تسلكه وعر، لا يقوى عليه إلا القديسون أمثالي. فامكث مكانك وأقبل على عملك، واسكن إلى زوجك، وداعب أولادك وبناتك، وأشرف على شؤون خدمك وحشمك، وحقولك