ومواصلات تفرضها طبيعة الأرض، وهكذا. ولا شك أن ذلك كله من العوامل العامة التي لها أثرها في الحياة الاجتماعية، بل إنها أساس تلك الحياة. فكما أن الحياة النفسية في الفرد تتغير تبعًا للبناء التشريحي للمخ، كذلك تختلف الظاهرات الاجتماعية حسب اختلاف البناء الاجتماعي. فلا بد إذن من وجود علم اجتماعي يكون بمثابة علم التشريح، ويدرس التكوين المادي الخارجي للمجتمع. هذا العلم هو ما يسميه دور كايم (بالمورفولوجيا الاجتماعية) (أو علم تركيب المجتمع) ولا تصف المورفولوجيا الاجتماعية المجتمع وتركيبه فحسب، بل تحاول تفسير ما تراه، فتفسير مثلًا سبب تجمع السكان في موضع دون آخر، وهل التجمع يكون في المدن أكثر منه في الريف أو العكس وسبب ذلك، وتبين سبب نشأة المدن الكبرى وهكذا. فهي أشبه شيء بالجغرافية البشرية. . . وواضح من ذلك أن هذا العلم الجزئي يعالج بدون موضوعات ومشاكل مختلفة ومتعددة
ولئن كانت المورفولوجيا الاجتماعية تدرس الهيكل المادي الخارجي للحياة الاجتماعية، فإن هناك علمًا آخر يدرس هذه الحياة نفسها، وهو ما يسمى بعلم الوظائف الاجتماعية (أو النظم الاجتماعية) وهذا العلم معقد أيضًا أشد تعقيد ومركب من عدة علوم جزئية مختلفة
فهناك أولا المعتقدات والنظم والشعائر الدينية. والدين ظاهرة اجتماعية لا يمكن أن تتمثل إلا في مجتمع، وتدعمه جماعة أو هيئة لها أصول ومراسيم تسير عليها دائمًا؛ وهذه الهيئة هي الكنيسة في أوربا. وكثيرًا ما يتدخل الدين في السياسة ويتصل اتصالًا قويًا بالسلطة السياسية. وللدين - ويدخل في ذلك الخرافات والأساطير وما شابهها عند البدائيين - سيطرة قوية على النفوس، ولابد للمجتمع أن يحترمه ويخضع له. ويرى دوركايم أن دراسة الدين هي أهم ناحية في دراسة المجتمع، وهي تكون ما يسمى بالاجتماع الديني ثم هناك الأخلاق والعادات، وهي أيضًا ظاهرة اجتماعية هامة، فلا يمكن تصور إنسان أخلاقي يحيا وحده، إنما تنشأ الأخلاق من اتصال الناس وتتعلق بمعاملات بعضهم لبعض في المجتمعات؛ وفرع علم الاجتماع الذي يدرس الأخلاق هو الاجتماع الأخلاقي ويتصل بالاجتماع الأخلاقي فرع آخر هو الاجتماع القانوني وهو يدرس النظم التشريعية، والقانون الذي يتصل أشد الاتصال بالحياة الاجتماعية وينظمها، ويحدد أفراد المجتمع. وهناك أيضًا النظم ويدرسها الاجتماع الاقتصادي وهو يبحث كل ما يتعلق بالإنتاج