نسيت أسمائهم من الخدم، وثالث يصيح أن هاتوا نورًا، ورابع يقول أين المصباح؟ وخامس يسأل محتجًا (أليس مع أحدكم عود ثقاب؟)
وفي أثناء ذلك كان الذي وقع قد لامس خده المربى التي انكسر وعاؤها فسالت، فلم يخالجه شك في أن قتلًا حصل وأن هذا دم القتيل، فكاد يموت من الرعب، ولزم مكانه ولم يحاول حتى أن يرفع خده عن المربى، وجاء مخيمر يحمل بندقيته، ووراءه كثيرون غيره، وفي يد أحدهم مصباح، تقدم به - في حماية البندقية - وإذا بنا نرى (وكيل) صاحب البيت، مطروحًا على وجهه، ويداه ممدودتان، وخده لاصق بالمربى، وهو يرفع رأسه وينظر محاذرًا، ثم كأنما اطمأن قليلًا فجعل يطرف، ويدير عينه، فيبصر بالوعاء وما سال منه، فيمسح بعضه عن خده وهو ينهض، فتجمعنا حوله وحففنا به، وجعل بعضنا ينظر إلى بعض مستغربًا متأففًا، منكرًا على هذا (الوكيل) الشره، ألا يكون له هم سوى بطنه، وأن يزعجنا في فحمة الليل بهرسه ومحاولته إخفاء ما يأكل
ونظر إليه صاحب البيت نظرة سخط واشمئزاز، وقال له: (ما هذا؟ مربى، ورقق، لم أكن أعرف أنك مبطان نهم إلى هذا الحد؟؟ وقليل الذوق أيضًا؟ حلواء في مأتم! فهلا انتظرت حتى ينفض المأتم؟؟ أم شامت أنت بي؟ لعنة الله عليك وعلى والديك! قم. . . قبحك الله! ولا ترني وجهك!)
فهم الرجل بأن يقول شيئًا، فقد كان مظلومًا ولا ذنب له، ولكن سيده أبى أن يسمع والتفت إلينا وقال:
(إن هذه فضيحة والله! الخير كثير والحمد لله، وفي وسعه أن يأكل ما شاء، ويشبع، إذا كان يمكن أن يشبع، فانظروا ماذا صنع؟ وبأي شيء يجزيني وقد ربيته وكفلته ولم أزل به حتى جعلته وكيلًا لي. وأمينًا على أملاكي!! يشتري حلواء ومربى ورقاقًا ليأكلها خفية في مأتم ابني!! اخرس يا كلب! ولك وجه تقابلني به يا كافر النعمة! والله لولا أنك حقير لأفرغت في قلبك الآن الرصاص. امش. . اخرج من عندي. .)
فقلت: (شيء فظيع!)
وارتددت إلى غرفتي ساخطًا.
ولبثنا ساعة نمزق أديم هذا الوكيل الشره الجحود الذي يأبى إلا أن يأكل حلواه في مأتم ابن