فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 3334

فسألوها الزاد، فلم يصيبوا عندها شيئا، وكانوا مسنتين (1) ، وسألها عن شاة في خيمتهم:

«هل بها من لبن؟ » قالت: هي أجهد من ذلك، إنما خلّفها عن الغنم الجهد، فمسح صلّى الله عليه وسلم بيده الكريمة على ضرعها، وسمّى الله ودعا [لها] في شاتها فتفاجّت (2) عليه ودرّت، فدعا بإناء يربض الرهط-أي: يرويهم-فحلب وسقاها وسقى أصحابه، وشرب صلّى الله عليه وسلم آخرهم، ثم ملأه وغادره عندها، وبايعها وارتحلوا عنها.

وأصبح صوت بمكة عال يسمعونه ولا يرون من صاحبه-قيل: هو من الجن-وهو يقول: [من الطويل]

جزى الله ربّ العرش خير جزائه … رفيقين قالا خيمتي أمّ معبد (3)

هما نزلاها بالهدى فاهتدت به … فقد فاز من أمسى رفيق محمد

فيال قصيّ ما زوى الله عنكم … به من فخار لا يجارى وسؤدد

ليهن بني كعب مكان فتاتهم … ومقعدها للمؤمنين بمرصد

سلوا أختكم عن شاتها وإنائها … فإنّكم إن تسألوا الشاة تشهد

دعاها بشاة حائل فتحلّبت … له بصريح ضرّة الشاة مزبد (4)

قيل: ولما هبطوا العرج (5) .. أبطأ عليهم بعض ظهرهم، فحمل رسول الله صلّى الله عليه وسلم رجل يقال له: أوس بن حجر (6) على جمل له اسمه: الرّداح (7) ، وبعث معه غلاما له يقال له: مسعود بن هنيدة، ثم سلكوا من العرج ثنية العائر (8) عن يمين ركوبه وهبوطه بطن رئم (9) ، ثم قدموا قباء على بني عمرو بن عوف.

ولما سمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلم من مكة .. كانوا

(1) مسنتين: مجدبين.

(2) تفاجّت؛ أي: باعدت بين رجليها لامتلاء ضرعها باللبن.

(3) قالا: من القيلولة، وتعديته بغير حرف الجر خلاف القاعدة، وفي رواية: (حلاّ) ، وهي أصوب، والله أعلم.

(4) أخرجه الحاكم (3/ 9) ، والطبراني في «الكبير» (4/ 48) .

(5) العرج-بفتح العين المهملة وإسكان الراء-: قرية في أول تهامة بينها وبين المدينة ثمانية وسبعون ميلا.

(6) أوس بن حجر: بضم المهملة وإسكان المعجمة، كذا في «الروض الأنف» (2/ 150) ، وذكر أن الدارقطني يقول: بفتحتين، وضبطها بفتحتين أيضا ابن ناصر الدين في «توضيح المشتبه» (3/ 127) ، والله أعلم.

(7) وقع عند ابن هشام (2/ 491) : (ابن الرّداء) ، وذكره السهيلي في «الروض الأنف» (2/ 151) وقال: (وفي رواية يونس بن بكير عن ابن إسحاق: يقال له: الرداح) .

(8) الثنية: كل عقبة في الجبل مسلوكة، والعائر: بالعين المهملة، ويقال: بالعين المعجمة: جبل بالمدينة.

(9) رئم-بكسر الراء وهمز ثانيه وسكونه-: واد قرب المدينة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت