دريد، ونرى الجوهرى يستدرك على الأصمعى بعض روايته في الصحاح وفى الجمهرة كما نرى في أمالى الزجاج وأمالى القالى استدراكات مشابهة، وفى كتاب التهذيب للأزهرى وكتاب المجمل لابن فارس أو في شرح المعلقات لأبى جعفر النحاس أمثلة لهذه الملاحظات أو التعقيبات، وما أكثر ما نعثر عليه من إشارات أو نصوص مدونة هنا وهناك كلها ينبىء عن تصحيف أو تحريف، وهى على كل حال ملاحظات جزئية أو تعليقات عارضة، ولكن الأهم من كل هذا هو تقصى الموضوع والتفرغ له وإفراد كتاب بالتأليف فيه.
وقد تصدى لذلك عالم من العلماء المعاصرين لأبى أحمد هو أبو القاسم على ابن حمزة الأصفهانى الذى ألف كتابا يتعقب فيه أغلاط جماعة من الرواة قال في مقدمته:
(هذا كتاب التنبيهات على أغاليط الرواة في كتب اللغة والمصنفات، لم نعدل فيه عن سبيلهم ولم نجر عن سننهم في رد بعض الغلط على بعض وأخذ أحدهم على صاحبه السقط، يتراسلون في ذلك الرسائل، ويتشاهقون به في المحافل، ويتساءلون فيها عن المسائل) وبعد المقدمة عرض لبيان أغاليط وقعت في طائفة من الكتب هى:
نوادر أبى زياد الكلبى، ونوادر أبى عمرو الشيبانى، وكتاب النبات لأبى حنيفة الدينورى، والكامل للمبرد، والفصيح لأبى العباس أحمد بن يحيى ثعلب، والغريب المصنف لأبى عبيد القاسم بن سلام، وإصلاح المنطق لابن السكيت، والمقصور والممدود لأبى العباس محمد بن ولاد.
كما أفرد الدارقطنى، علىّ بن عمر مجلدا عرض فيه لتصحيفات المحدثين.
أما أبو أحمد العسكرى فقد ألف في تصحيفات المحدّثين وفى تصحيفات أهل اللغة والأدب على السواء، ولعله صاحب الحظ الأوفر في هذا النوع من التأليف، لأن كتابه كان شاملا وموضوعاته منوعة متشعبة وتحقيقاته تتصل بالأعلام
والأماكن والشعر ومادة اللغة والحديث، فلم يقتصر على تعقب كتاب بعينه أو علماء مقصودين لذواتهم، وقد رأى أن يفرد للحديث كتابا وللغة آخر كما أشرنا قبلا حتى يكون ذلك أدنى إلى تحقيق الهدف من التأليف، وليرضى كل كتاب حاجة المتطلعين إلى الدقة والصواب في مادته، فكل كتاب من هذين الكتابين يحقق هدفا واضحا وينتظم عملا متكاملا ومادة علمية غزيرة، ويجعل من هذا الكتاب ذخيرة لغوية هامة ومرجعا أمينا يعتمد عليه في تصويب بعض الكلمات اللغوية وتصحيح بعض الروايات، وينقذنا من الحيرة، ويفسر لنا الاضطراب الذى نحسه عند ما نرجع إلى المعاجم الكبيرة للبحث عن معنى كلمة غريبة في بيت من الشعر، فاذا بالبيت مذكور في أكثر من مادة شاهدا على معنى بعض المفردات اللغوية الواردة فيه. ويدهشنا أن نرى الكلمة المقصودة بالبحث قد رويت برواية أخرى، ولكن عجبنا يزول عندما ندرك ألا تعدد في الرواية، وإنما هو تصحيف لكلمة أشكل أمرها على الرواة ونقلها أصحاب المعاجم على أنها رواية أخرى مثل بلع الشيب وبلغ، ومثل يتيم وتئيم، وزبير وربيز، والربلات والرتلات، ومناديل ومباذيل، وغيرها كثير. ومن الواضح أن قائلها لم يقلها إلا على نحو واحد. وكتابنا يفسر هذا المشكل ويوضحه.