أما أبو أحمد العسكرى فقد ألف في تصحيفات المحدّثين وفى تصحيفات أهل اللغة والأدب على السواء، ولعله صاحب الحظ الأوفر في هذا النوع من التأليف، لأن كتابه كان شاملا وموضوعاته منوعة متشعبة وتحقيقاته تتصل بالأعلام
والأماكن والشعر ومادة اللغة والحديث، فلم يقتصر على تعقب كتاب بعينه أو علماء مقصودين لذواتهم، وقد رأى أن يفرد للحديث كتابا وللغة آخر كما أشرنا قبلا حتى يكون ذلك أدنى إلى تحقيق الهدف من التأليف، وليرضى كل كتاب حاجة المتطلعين إلى الدقة والصواب في مادته، فكل كتاب من هذين الكتابين يحقق هدفا واضحا وينتظم عملا متكاملا ومادة علمية غزيرة، ويجعل من هذا الكتاب ذخيرة لغوية هامة ومرجعا أمينا يعتمد عليه في تصويب بعض الكلمات اللغوية وتصحيح بعض الروايات، وينقذنا من الحيرة، ويفسر لنا الاضطراب الذى نحسه عند ما نرجع إلى المعاجم الكبيرة للبحث عن معنى كلمة غريبة في بيت من الشعر، فاذا بالبيت مذكور في أكثر من مادة شاهدا على معنى بعض المفردات اللغوية الواردة فيه. ويدهشنا أن نرى الكلمة المقصودة بالبحث قد رويت برواية أخرى، ولكن عجبنا يزول عندما ندرك ألا تعدد في الرواية، وإنما هو تصحيف لكلمة أشكل أمرها على الرواة ونقلها أصحاب المعاجم على أنها رواية أخرى مثل بلع الشيب وبلغ، ومثل يتيم وتئيم، وزبير وربيز، والربلات والرتلات، ومناديل ومباذيل، وغيرها كثير. ومن الواضح أن قائلها لم يقلها إلا على نحو واحد. وكتابنا يفسر هذا المشكل ويوضحه.
وبعد فلسنا بصدد إحصاء من ألف في هذا الموضوع، ولكن ينبغى أن نشير إلى كتاب آخر ألف في القرن الثامن لصلاح الدين بن خليل الصفدى المتوفى سنة 764 لما له من وثيق الصلة بكتابنا هذا، فكتاب الصفدى من ناحية عنوانه وموضوعه وتأثره بكتاب العسكرى واعتماده على كثير مما فيه واضح في الكتاب كله، فقد سماه تحرير التحرير وتصحيح التصحيف. وقدم له بقوله «إن الأوائل صحفوا ما قل وحرفوا ما هو معدود في الرذاذ والطل، فأما من تأخر فانهم يصحفون أضعاف ما يصححون ويحرفون زيادات على ما يحررون ولقد عمت المصيبة
ونشأ ذلك في المحدثين والفقهاء والنحاة وفى أهل اللغة وفى رواة الأخبار وفى نقلة الأشعار. ولم يسلم من ذلك غير القراء لأنهم يأخذون القرآن من أفواه الرجال».