وبعد فلسنا بصدد إحصاء من ألف في هذا الموضوع، ولكن ينبغى أن نشير إلى كتاب آخر ألف في القرن الثامن لصلاح الدين بن خليل الصفدى المتوفى سنة 764 لما له من وثيق الصلة بكتابنا هذا، فكتاب الصفدى من ناحية عنوانه وموضوعه وتأثره بكتاب العسكرى واعتماده على كثير مما فيه واضح في الكتاب كله، فقد سماه تحرير التحرير وتصحيح التصحيف. وقدم له بقوله «إن الأوائل صحفوا ما قل وحرفوا ما هو معدود في الرذاذ والطل، فأما من تأخر فانهم يصحفون أضعاف ما يصححون ويحرفون زيادات على ما يحررون ولقد عمت المصيبة
ونشأ ذلك في المحدثين والفقهاء والنحاة وفى أهل اللغة وفى رواة الأخبار وفى نقلة الأشعار. ولم يسلم من ذلك غير القراء لأنهم يأخذون القرآن من أفواه الرجال».
من كل ما تقدم يبدو الهدف واضحا والغرض جليا، وإن كان الطريق وعرا.
وإذا كنا نعجب من جهود بعض العلماء وما يكابده الرواة من مشقة في الرحلة من قطر إلى قطر والتنقل في البوادى بين الأعراب يحققون كلمة أو يتحرون صحة بيت من الشعر أو خبر من الأخبار، ونكبر فيهم هذا الإخلاص للعلم، وهذه الدقة في البحث والتحقيق، فان أبا أحمد فيما بذله من جهد وتحمله من مشقة واستعان به من وسائل لتحقيق هدفه، حتى جمع لنا هذه المادة محررة مصفاة وعرضها في كتابه الذى نقدم له، يجعلنا نكبر فيه صبر العلماء وأناتهم وحرصهم على خدمة العلم وإحقاق الحق ونفى الزيغ ويجعل كتابه مرجعا لغويا هاما يقوم الخطأ ويهدى إلى الصواب.