كنا عند أمير، فقال جبلة بن مخرمة: كنا على جدّ النهر [1] ، فقلت:
جدّة النهر. قال: فما زلت أعرفهما [2] فيه.
أخبرنى محمد بن يحيى، حدثنا إبراهيم بن عبيد الله، سمعت عبيد الله بن سليمان يقول: كان عبيد الله بن يحيى بن خاقان [3] ينشد بيت النابغة:
كليب لعمرى كان أكثر ناصرا ... وأيسر جرما يوم ضرّخ بالدّم
بالخاء، حتى كان الكتّاب يتعمّدون أن يذكروا هذا ليسمعوا لفظه به، فساءنى ذلك، ولم أصبر عليه لجلالة عبيد الله في نفسه وسروه [4] وعقله وسياسته، وإن كان ناقصا في أدبه، حتى غنّاه مغنّ بهذا الشعر وأنا حاضر، فتقدمت إليه أن يبيّن الجيم، إذا بلغ إلى هذا الحرف، ويردده، ففعل، فالتفت إلىّ عبيد الله، فقال: يا أبا القاسم أهو ضرّج أم ضرّخ؟ فقلت: أعزّ الله الوزير ضرّج أصحّ الرّوايتين وأولى، وإن كان قوم قد رووا ضرّخ، واستحييت منه [20ب] وو الله ما سمعت بأنه أنشد هذا أحد قطّ غيره.
وأخبرنا ابن دريد والهزّانى قالا، أخبرنا الرّياشىّ، قال: قال الأصمعى، حدّث يوما شعبة بحديث قال فيه: فذوى المسواك. فقال له رجل حضره:
إنما هو فذوى [5] المسواك، فنظر إلىّ شعبة فقلت له: القول ما قلت، فزجر القائل هذا لفظ ابن دريد وقال الهزّانىّ: فقال للرجل: امش من هاهنا، وهى كلمة للفتيان.
(1) فى اللسان: «وقيل: جدته (أى النهر) وجدته (بالكسر والضم) وجده وجده (بالضم والفتح) ضفته وشاطئه. الأخيرتان عن ابن الأعرابى» .
(2) كذا في لسان العرب (مادة جد) : أى اللغتين. وفى الأصل: «أعرفها» .
(3) أحد وزراء الدولة العباسية توفى سنة 63والنابغة هو عبد الله بن قيس نابغة بنى جعدة.
(4) السرو: المروءة والشرف.
(5) ورد في اللغة: ذوى من باب ضرب وفرح، إلا أن الثانية لغة رديئة، وقد جاء في الجمهرة أن الأصمعى كان يرويه بالفتح (ذوى) فضبطنا أول الفعلين بالفتح اعتمادا على هذا، إذ السياق يقتضيه.