قال: وذكروا يوما لحم الدّواب، فقال: بلغنى أنه «يظعن» فقلنا: وما يظعن؟ فقال: «يظعن» فقلنا: يظعن إلى أين؟ فغضب، وجحد أنه قال ذلك، وكابر، ولم يعرب لسانه عمّا في قلبه، وإنما أراد: ينعظ.
وهذا يشبه خبر شجاع بن القاسم، أنّه قرأ على قصّة: أبو معشر المنجّم، فأمر غلامه أن يصيح بأبى معشر المتخم [1] .
وأخبرنا ابن عمّار، أخبرنا ابن أبى سعد، حدثنى هارون بن إبراهيم، أخبرنا أبو عمر حفص بن عمر المقرى [2] : سمعت إنسانا يقرأ على معلّم: «أنّ السّموات والأرض كانتا رتقا [3] » ، فقال له المعلّم: ويحك «زيفا» [4] .
وأخبرنى محمد بن يحيى، أخبرنى أبو عبيد القاسم بن إسماعيل المحاملىّ [5] ، وقد سمعت [29ب] أنا من هذا الشّيخ، حديثا كثيرا، ولم أسمع هذه الحكاية.
حدثنى أبو العيناء، قال: كتبت إلى صديق لى: جعلت فداك من السّوء كلّه. فلقينى بعد ذلك، فقال لى: أنا أستفيد أبدا منك، لا عدمت ذاك، وقد كتبت إلىّ: جعلت فداك «من الشّوكلة» ، فما الشّوكلة؟ قال:
فعجبت وضحكت وقلت: نلتقى بعد هذا، وتقع الفائدة.
تقول العرب في مثل: أساء سمعا، فأساء جابة [6] أساء ممدودا،
(1) مر هذا الخبر فيما سبق كما هوهنا، مع اختلاف يسير في العبارة، انظر ص 50.
(2) كان ضريرا، سكن سامرا، واشتهر بقراءة الكسائى، توفى سنة 246، وقيل غير ذلك (طبقات الحفاظ) .
(3) صدر الآية: { «أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمََاوََاتِ وَالْأَرْضَ كََانَتََا رَتْقًا فَفَتَقْنََاهُمََا» } . قال بعض المفسرين كانت السموات رتقا: أى لا ينزل منها رجع، وكانت الأرض رتقا ليس فيها صدع، ففتقهما الله تعالى بالماء والنبات، رزقا للعباد. ووجه الغرابة في هذا الخبر، أن المعلم هو الذى يصحف.
(4) فى محاضرات الراغب الأصفهانى ج 1ص 50أنها صحفت إلى «ريقا» .
(5) هو القاضى أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل بن محمد الضبى من الثقات لم يكن أسند منه في عصره مع الصدق والستر والتوثق توفى ببغداد سنة 330 (الفهرست ص 325) .
(6) أصل هذا المثل على ما ذكره الزبير بن بكار، أنه كان لسهيل بن عمرو ابن مضعوف، فقال له إنسان: أين أمك؟ أى أين قصدك، فظن أنه يقول له: أين أمك، فقال: ذهبت تشترى دقيقا، فقال أبوه: أساء سمعا فأساء جابة. قال: والجابة، كما في اللسان، كالإجابة.