وممّا يدلّ على هذا، استشهاد هم بأشعار المولّدين، مما لم يكن الخليل يلتفت إليه، ولا يستشهد بمثله. وقد علّمت في العين والحاء والرّاء وغيرها، على أكثر من أربعين بيتا للمحدثين. مثل سليمان بن يزيد العدوىّ، وصالح بن عبد القدوس [1]
وسابق، وبشار [2] ، ومن في طبقتهم.
[30ب] بل وجدت فيه شيئا من شعر أبى دلامة [3] والحسن بن هانئ [4] .
بسياق مخارج الحروف، ثم بإحصاء أبنية الأشخاص، وأمثلة أحداث الأسماء، فذكر أن مبلغ عدد أبنية كلام العرب المستعمل والمهمل، على مراتبها الأربع، من الثنائى والثلاثى والرباعى والخماسى، من غير تكرير، اثنا عشر ألف ألف وثلاثمائة ألف وخمسة عشر ألفا وأربعمائة واثنى عشر. والثنائى: سبعمائة وستة وخمسون. والثلاثى: تسعة عشر ألفا وستمائة وخمسون. والرباعى: أربعمائة ألف وإحدى وتسعون ألفا وأربعمائة. والخماسى: إحدى عشر ألف ألف وسبعمائة وثلاثة وتسعون ألفا وستمائة، ذكر ذلك حمزة الأصفهانى في كتاب الموازنة، فيما نقله عنه المؤرخون. قال السيوطى: وهذا صريح في أنه (أى الخليل) أكمله. ولكنه بعد ذلك أورد حكاية تدل على أن نسخة الأصل أحرقتها ابنة عم الليث بن نصر بن سيار، وأنه كان يحفظ نصف الكتاب، فأملى الليث ما حفظه، وجمع علماء عصره، وأمرهم أن يكملوه على نمطه، وقال لهم مثلوا واجتهدوا، فعملوا التصنيف الذى بأيدى الناس (البغية 244) .
(1) هو أبو الفضل البصرى مولى الأسد، أحد الشعراء، اتهم في عصر المهدى بالزندقة، فأمر بحمله إليه، فلما حضر بين يديه وخاطبه وأعجب بغزارة علمه وأدبه، أمر بإخلاء سبيله. وله مع أبى الهذيل العلاف المعتزلى مناظرات. وجاء في الأغانى (ج 13ص 14) أن الرشيد قتله، واحتج عليه في أنه لا تقبل له توبة بقوله: والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يوارى في ثرى رمسه
وقال: إنما زعمت أنك لا تترك الزندقة، ولا تحول عنها أبدا.
(2) بشار بن برد البصرى، فارسى الأصل، كان جده يرجوخ من طخارستان من سبى المهلب بن أبى صفرة، فقيد إلى البصرة، وبيع هناك. ولد بشار مكفوف البصر، ثم أصيب بالجدرى، فكان مخدد الوجه ضخما عظيم الخلق طويلا، جاحظ المقلتين، قد تغشاهما لحم أحمر، فكان أقبح الناس عمى، وأفظعهم منظرا، وشفع ذلك بفساد خلق، فكان زنديقا يظهر الإسلام، ويسر المجوسية، لا يخالط الناس، خبيث الهجاء، بذىء الكلام، افتدى الناس أعراضهم منه بالأعطية الفاحشة.
أما شعره فغاية في المتانة، مطبوع اللهجة، غريب الإبداع والتفنن. وله أشعار هتك فيها حرمة الآداب، حتى قيل: ما شىء أدعى لأهل البصرة إلى الفساد من أشعار هذا الأعمى الملحد، فإن كلماته من أخدع حبائل الشيطان وأغواها. وهجا الخليفة المهدى هجاء فاحشا، فوشى به الوزير يعقوب بن داود، لموجدة كانت له عليه، ورماه بالزندقة، فأمر به المهدى، فضرب بالسياط حتى مات سنة 168هـ.
(3) هو أبو دلامة زند بن الجون الكوفى الحبشى، نبغ في أيام بنى العباس، وانقطع إلى العباس والمنصور والمهدى، فكانوا يقدمونه ويستطيبون مجالسته، لنكته ونوادره وسرعة بديهته وقوة عارضته، مع ما كان عليه من فساد الدين، وارتكاب المحارم، وإدمان الخمر، والمجاهرة بالزندقة. ولأبى دلامة نوادر مضحكة، تروى له في كتب الأخبار والأدب، وتوفى عام 161هـ.
(4) هو أبو نواس الشاعر المعروف، ويقال أيضا أبو على الحسن بن هانئ، ولد بالأهواز، وتخرج