3.وإما أن تكون مربوطًا بإسناد من المؤلف إلى الرسول r . وهذا أسهل أنواع التخريج.
لقائل أن يقول: لمَا صَعُب الأول ولمَا سهُل الثالث ولمَا توسط الثاني؟
لأنك إذا أُعطيت متنًا غير مرتبط بصحابي فإنك مسؤول عن تخريج هذا المتن عن جميع من رواه من الصحابة، فلك أن تتصور أنك أُعطيت متنًا مثل: (من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوء مقعده من النار) . فقد رواه أكثر من 60 صحابيًا، منهم العشرة المبشرون بالجنة، فليس تخريج حديث أبي هريرة رضي الله عنه بأهم من تخريج حديث ابن عمر رضي الله عنهما، لأنه ليس لأحد من الصحابة على الآخر مزيةٌ، لأنك مسؤول عن المتن.
بينما لو قال عن ابن عمر رضي الله عنهما، فإنك مسؤول عن هذا الإسناد حتى يصح , وتترك طُرقًا لهذا الإسناد بعد صحته، لأن همّك أن يصح الإسناد الذي بين يديك. ولذا سَهُلَ الأخير وصَعُبَ الأول.
التخريج لا بد أن يمر بثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: كيف تصل إلى الحديث في بطون الكتب الأصلية.
المرحلة الثانية: بعد أن تصل ماذا تأخذ وماذا تدع؟.
المرحلة الثالثة: كيف تصوغ ما أخذت؟.
إن للوصول إلى الحديث في بطون الكتب الأصلية طُرقًا أشهرها خمس:
الطريق الأول: إما أن تصل إلى الحديث عن طريق الراوي الأعلى، وهو الصحابي أو من دونه. ولها مؤلفاتها.
الطريق الثاني: أن يكون عن طريق أوّل الحديث، ويُسمّونه طرف الحديث.
الطريق الثالث: أن يكون عن طريق كلمة يقل دورانها.
الطريق الرابع: أن يكون عن طريق خصائص تكون في السند أو المتن.
الطريق الخامس: أن يكون عن طريق موضوع الحديث.
وأولى هذه الطرق التخريج عن طريق موضوع الحديث. لماذا؟
لأسباب:
1.أنك بتخريجك عن طريق موضوع الحديث تجمع الأحاديث الواردة في ذلك الموضوع المؤيدة والمعارضة، وبالتالي يُصبح لديك إلمام عن جميع الموضوع. فمثلًا: إذا كان الحديث في كتاب الصلاة باب صلاة الجماعة، تجد أكثر من عشرة أحاديث واردة في فضل صلاة الجماعة المقوًية والمعارضة، بينما لو أخذت الحديث عن طريق الراوي الأعلى، فلا تجد غير حديث عبدالله بن عمر، فلا تجد حديث أبي هريرة ولا حديث عائشة ولا حديث أُبيّ رضي الله عنهم.
2.أن التخريج من طريق موضوع الحديث ينمي لدى الطالب مَلكةَ الاستنباط والفهم، لأنك لن تعرف موضوع الحديث حتى تعرف فقهه. ثم إن هذا الاستنباط يتقوّى، إذ أنه اتضح أنك لست وحدك في الفهم، لأن فهمك مربوط بفهم المصنّف الأصلي. هل يوافقك في هذا الفهم أو لا؟. وهذه الطريقة تنمي عندك فهم مناهج أصحاب الكتب الأصلية.
بعد أن تصل إلى الحديث .. يُهمنا هنا أن تعرف ماذا تأخذ وماذا تدع؟ والأمر يزيد أهمية إذا اتضح لك أن لكل كتاب خصائصه، فما تأخذه من البخاري غير ما تأخذه من مسلم. وما تأخذه من مسلم غير ما تأخذه من الترمذي وهكذا. هناك قواسم مشتركة ولكن لكل كتاب خصائصه.
فمثلًا: إذا كان الحديث في البخاري، من المهم أن تعرف هل رواه متصلًا أو مُعَلّقًا، وإذا كان مُعَلّقًا هل رواه بصيغة الجزم أو بصيغة التمريض، وإذا كان متصلًا هل أورده في الأصول أو أورده في الشواهد والمتابعات، فمثلًا تقول: رواه مُعَلّقًا مجزومًا به، أو مُعَلّقًا بصيغة التمريض، وتنص على هذا.
وإن كان في مسلم هل ساق لفظه أو أحال على غيره، وهل صرّح بالاختلاف بين الألفاظ، وهل صرّح بلفظ فلان دون فلان، وهل هذا فلان هو الذي معك في الإسناد، وهل هذا لفظه أو غير اللفظ، وهل اعتمد عليه أو جاء به في المتابعات والشواهد دون أصول الأبواب.
وإذا كان في أبي داود هل قدّمه واعتمد عليه، وهل جاء بما يُعارضه، وهل جاء متصلًا، وهل صرّح بما يُضعّفه، وهل بيّن ضعفه سواءً بالإيماء أو بالتصريح أو لا.
وإذا كان في الترمذي هل حكم عليه وبما حكم عليه، وهل حكم عيه حكمًا مطلقًا أو من هذا الوجه، وهل حكم عليه بنفسه أو حكم عليه ناقلًا عن غيره، وهل أودر ما يُقويه في الباب أو لا.
وإذا كان في الحاكم هل حكم عليه، وبما حكم عليه، وما موقف الذهبي من هذا الحكم، وهل قوّاه أو اعترض عليه.
ثم إذا كان في ابن خزيمة هل أورده مُحتجًا به دون اعتراض أو أنه مرّض القول فيه ـ أو ـ علّق القول فيه بقوله: إن ثبت الخبر، وهل قدّم المتن على الإسناد تضعيفًا له أو لا.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)