مثال آخر: كتب ابن عبد البر "التمهيد""والاستذكار"وغيرها، شروح الموطأ، لكنها شروح نظر فيها إلى المسألة لا إلى المتن، فهو قد يشرح المتن ثم يخرج من المتن إلى المسألة ثم يفصل الكلام في المسألة كأنها مسألة فقهيه مستقلة ، وهذا نوع من شروح كتب الحديث نقابله بكتاب ابن حزم، فكتب ابن عبد البر وكتاب ابن حزم متقابلان، هذا له طريقته وهذا له طريقته، إذا نظرت في هذا وهذا وجدت أن طريقة الفقهاء موجودة في كتاب ابن حزم، وطريقة المحدِّثين موجودة في كتاب ابن عبد البر، في الجملة."
بخلاف ما يظنه كثيرون، أن كتاب ابن حزم هو كتاب حديث، هو كتاب فقه، لكن فقه بناه على الأثر بتوسع، فكأنه صوّر المسائل الفقهية كمتن فقهي ثم استوعب ما في المصنفات وما نقل عن السلف في هذه المسائل ونظر فيها نظرًا مختصرًا، فهو كتاب فقه توسع فيه في الاستدلال.
تطورت المسألة من جهة التاريخ فدخلنا إلى مرحلة"المغني لابن قدامه، وما ماثله، مثل "المجموع شرح المهذب" للنووي، كتابان متقاربان من جهة أنهما كتابان فقهيان منهجهما واحد من جهة الفقه، هذا المغني كتاب حنبلي يعرض فيه إلى الأدلة والخلاف، وكتاب النووي كتاب شافعي يعرض فيه لتأصيل المسألة والأدلة والخلاف، يمتاز كتاب النووي عن كتاب ابن قدامه بأن فيه استيعاب للغويات، وفيه الحكم على كثير من الأدلة من جهة الإسناد، يقول: هذا اسناده صحيح، اسناده قوي، اسناده ضعيف ...الخ، وله ترجيحاته المخالفة للمذهب، كما أن ابن قدامة له ترجيحاته المخالفة للمذهب."
في مقابلتهما نذهب إلى كتب الحديث في ذلك الزمان "فتح الباري" مثلًا - بعده بزمان - فيه عرض المسألة بحسب إيراد البخاري واستيعابه للأدلة أو للخلاف هو بحسب حاجة المسألة إلى ذلك.