ففي الأمر الأول النبي - صلى الله عليه وسلم - وُوجِهَ بأنواع من الحرب، وقيل إنه شاعر وقيل إنه كاهن وقيل إنه صابئ عليه الصلاة والسلام وذلك من المشركين؛ لكي يُبعدوا الناس عن الاقتناع بالإسلام لكي يبعدوا الناس عن الديمومة لله بالإسلام بالتوحيد له ونبذ الشرك والطواغيت والأوثان، كل ذلك منهم تتابعوا عليه أولهم وآخرهم من بعثة نوح عليه السلام إلى بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك كلّ رسول يأتي قومَه وقومُه يَصُدّونه ويُصِدّون عن الدين برميهم له بالألقاب ورميهم له ببعض ما يصد الناس عنه وبالتكذيب وبأنواع الإيذاء، قال جل وعلا ?أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ? [الذاريات:53] ، تنوّعت الحرب على المؤمنين في مكة تارة بتلك الشبهات وتارة بالشهوات فقد عُرِض على النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكون ملكا لو أراد، أن يكون غنيا لو أراد، أن يكون مزوجا بأحسن الحسنيات لو أراد ولكن كل ذلك لم يقبل به النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه إنما أُرسل بشيرا ونذيرا ?وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا? [سبإ:28] ، فإنما أُرسل بالجنة يبشر بها، أرسل بالنار ينذر ويخوف بها، ويصد الناس عن التساقط فيما يؤدي إليها، لم يكن همّ الرسل أن يتملّكوا ولا أن يغتنوا ولا أن يسألوا الناس أجرا ?قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ (86) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالمَِينَ (87) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِين? [ص:86-88] ، أوذي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالأذى الحسّي، ورمي بالحجارة، وسكب على ظهره سَلَا الجزور وهو يصلي عليه الصلاة والسلام، أوذي المؤمنون من حوله أشد الإيذاء، حتى إن صحابة رسول - صلى الله عليه وسلم - وهم الصفوة الخلّص شكوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يلقون من أذى المشركين فبلّغهم عليه الصلاة والسلام بالسنة الماضية أن من كان قبلهم كان يؤخذ أحدُهم فيُنشر بالمنشار ما بين جلده وعظمه لا يصدّه ذلك عن دينه قال عليه الصلاة والسلام «وليُتِمَّنّ الله هذا الأمر حتى تخرج الضعينة من مكّة إلى صنعاء لا تخشى إلا الله» ، ثم قال عليه الصلاة والسلام «ولكنكم قوم تستعجلون» .