وأصل كثرة السؤال وكثرة المسائل قد جاء النهي عنها فقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا ما استطعتم فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم» قال: أهل العلم قوله (كثرة مسائلهم) يعني عما لم يقع وعما لم يأت بيانه في الكتاب المُنَزَّل، ولهذا جاء في الصحيح أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «إنّ أشدّ المسلمين بالمسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرّم على المسلمين فحرّم عليهم لأجل مسألته» ، وقد قال جلّ وعلا ?لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا? [المائدة:101] ، والأحاديث التي جاءت في النهي عن كثرة السؤال متعددة وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قُبض كلها في القرآن. قد قال جلّ وعلا ?وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ? [البقرة:222] ، ?وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي? [البقرة:186] ، إلى آخر هذه المسائل، مجموع ما سأل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين هم منه مقربون إنما هي ثلاث عشرة مسألة وكلها في القرآن، وقد كان الصحابة من توقيرهم للنبي - صلى الله عليه وسلم - ومن كراهتهم لكثرة المسائل يحبون أن يأتي الرجل من البادية ومن خارج المدينة حتى يسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فيستفيدوا من السؤال ومن الجواب، وقد جاء أيضا في الحديث الصحيح: «إنّ الله كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال» وقد قال أيضا الحجاج بن عامر الثُّمالي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إياكم وكثرة السؤال» فالأحاديث دالة على أن كثرة الأسئلة لأهل العلم إنما ذلك داخل في المكروه إلا ما يحتاج إليه العبد فيما يأتي بضوابطه، والله جلّ وعلا أمر المؤمنين بأنْ يسألوا إذا جهِلوا، وقد قال سبحانه وتعالى لما أنكر كفار قريش أن يكون الرسول بشرا رجلا، وقالوا: إن الرسول يجب أن يكون ملكا. قال سبحانه وتعالى في سورة النحل ?وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ