ما معنى المناظرة؟ معناها أجادلك فيها تعرف ما عندي وأعرف ما عندك حتى نصل إلى الحق، وهذا غير مطلوب مع عدم رعاية الأدب مع أهل العلم؛ لأن في ذلك بعض التّعدي على حق أهل العلم إلا إذا أفصحت له بأنك تريد أن تبحث معه هذه المسألة، فإذا أذن لك بالبحث فإنه عند ذاك تخرج المسألة من كونها استفتاء وسؤال وجواب إلى مسألة بحث واستفصال، وهذا أيضا يكون عند المتعلمين في مجالس العلم، فإنه يكون عنده معرفة بالجواب ولكن يسأل ليختبر -بعض الأحيان- أو ليعلم غيره بأنه سأل سؤالا جيدا ونحو ذلك.
وهذا الوقت الآن تقاصر عن أن نسأل عن شيء قد علمنا، فلنسأل عن شيء لم نعلمه، فلهذا كان مما ينبغي التأدب فيه أن لا تسأل عن شيء إلا عن شيء لم تعلمه، وذلك لأنّ الله جلّ وعلا قال (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) إنْ كنت تعلم فلا تسأل؛ لأنه قد جاء عندك العلم ووقت المفتي أو العالم أو طالب العلم ينبغي أن يُصرف في أشياء كثيرة والواجبات الآن يتقاصر عنها وقت الكثيرين، فكيف بالاستطراد ونحو ذلك.
من الآداب التي ينبغي مراعاتها أيضا في السؤال: أنْ لا تذكر للعالم قول غيره، بعض الناس يسأل أهل العلم بالهاتف -والهاتف الآن قرّب وأكثر من إشكالات الأسئلة- يسأل واحد وبعده يسأل الثاني وبعده يسأل الثالث والرابع، فهو يضطرب في المسألة، ثم بعد ذلك يذهب إلى شيء غير جيّد وهو أنه يذهب إلى أسهل تلك الأقوال، وهذا لا ينبغي، فإنه الذي ينبغي في السؤال أن تبحث عمّن تثق بعلمه ودينه في ذلك، كما قال أهل العلم: ينبغي للمستفتي أنْ يسأل من يثق بعلمه ودينه. فإذا وثقتَ بعلم فلان ودينه فإنّك تسأله ولا تسأل غيره؛ لأنك إذا سألت غيره فإنه قد يكون عنده من الجواب غير ما يكون عند الأول فتقع أنت في حيرة.
وفي حالٍ لك أن تسأل غير من سألت أولا، وذلك فيما إذا كان جوابه مشكل من جهة الدليل؛ إذا كان عند المرء معرفة ببعض الأدلة ونحو ذلك فأشكل عليه الجواب من جهة الدليل فإنّ له أن يسأل غيره لأنه ما اقنع بالجواب لا من جهة عدم مناسبته لحاله أو من جهة صعوبة الجواب أو أنه لا يناسب أو يريد أن يبحث عمن يخفف له؟ لا؛ ولكن من جهة أنه استشكل هل هذا حكم الله جلّ وعلا وحكم رسوله - صلى الله عليه وسلم - في المسألة أم لا؟ لفهمه من بعض الأدلة والأحاديث خلاف ذلك.
فإذن من الآداب ألاّ تسأل أكثر من عالم في المسألة لأنّ كثرة الأسئلة هذه:
أولا: تضيق وقت العلماء.