غرابةٍ خُلْفٍ: مخالفة القياس، هذا يُعرف بفن الصرف، إذن: فن الصرف من علوم البلاغة، أليس كذلك؟ علوم مترابطة، بعضها مُندرِجٌ وداخلٌ في بعض، الذي يريد أن يمزّق الفنون كالذي يريد أن يمزّق الإنسان؛ بدنه رأسه عن يده عن رجليه.
خُلْفٍ زُكْن، يعني: مخالفة القواعد الصرفية، العلمُ بالقواعد التي يُحكَم بكون هذه الكلمة مخالفة للقواعد أم لا يُرجع إلى فن الصرف، فحينئذٍ يكون فن الصرف داخلًا في مفهوم علم البلاغة.
وفي الكلام من تنافر الكلم: هذا يُعرف بالحس، وضعف تأليفٍ وتعقيد: التعقيد اللفظي، هذا يُعرف بماذا؟ بفن النحو، إذا النحو فنٌ وعلم من علوم البلاغة، ماذا بقي معنا؟ التعقيد المعنوي والاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد، تتميمًا لعلوم البلاغة ليُعرف الخطأ في تأدية المعنى المراد من غيره وضعوا له فنًا خاصًا به، هو علم المعاني.
التعقيد المعنوي الاحتراز عنه ومعرفة أن هذا فيه تعقيد من جهة المعنى أم لا، الذي يميّزُ هذا عن ذاك هو علم البيان، إذن: علم البيان وعلم المعاني هذان علمان من علوم البلاغة، وليست البلاغة منحصِرة في هذه العلوم الثلاثة، وعلم البديع هذا يُعتبَر من المحسنات اللفظية أو المعنوية، يعني: يُعتبر كالترميم للعلمين، ولذلك اختلف فيه: هل هو مُتمِّمٌ لعلم البيان فقط، أو مُتمِّم لعلم المعاني فقط، أو مُتمِّم لهما؟ المرجح الثالث: أنه متممٌ لعلم البيان متمم لعلم المعاني، ولذلك قال الناظم هنا:
وحافِظٌ تَأدِيةَ المعاني ... عَنْ خَطَأٍ يُعْرَفُ بالمعاني
الذي يميّزُ هذا عن ذاك هو ما ستدرُسُه في علم المعاني، أما الذي يُعرف .. إذن: لا تنتظر في كتب البلاغة أن يُميَّز لك الغريب من غيره؛ لأن هذا له علمٌ مستقل، ولا تنتظر في علم البلاغة، أن يُميَّز لك القواعد القياسية التي تميز لك ضعف التأليف والتعقيد اللفظي من غيره؛ لأن هذا يُدرَك في علم النحو وكذلك الصرف، وإنما يُبحث عن نوعين اثنين فقط من خمسة: وهو الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد الذي أشار إليه بالبيت الأول.
ثم قال: وما مِنَ التعقيدِ في المعنى يَقِي، يعني: يحفظ من التعقيد المعنوي، لَهُ البيانُ عِنْدَهُمْ قَدِ انْتُقي، إذن: علمُ البيان وضعه الواضع من أجل أن يُعرف الكلام الذي فيه تعقيد معنوي من غيره، إن ثبتَ التعقيد خرجَ عن كونه كلامًا بليغًا، إن انتفى مع بقية الشروط فهو الكلام.
ثم قال:
وما بِهِ وُجُوهُ تحسِينِ الكَلامْ ... تَعْرِفُ يُدْعى بالبَديعِ والسَّلامْ
والسلام هذا قلنا: تكميل للبيت.
إذن: هذه ثلاثةُ فنون، أولًا: علم المعاني، ثانيًا: علم البيان، ثالثًا: علم البديع.
ذكرنا أن علم المعاني، سُمّي علم المعاني لماذا؟ لتعلّقه بالمعنى، لأن به الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد، وعلم البيان سُمي علم بيان لماذا؟ لتعلقه بإيراد المعنى الواحد بطُرقٍ مختلفة، من أجل بيان المعنى وإيضاحه، وعلم البديع سُمّي بديعًا لماذا؟ لبحثِهِ عن المحسِّنات، قالوا: ولا شك في بداعتها وظرافتها، هذا هو المشهور: أن يُسمى الأول معاني، والثاني بيان، والثالث بديع.