إذن: نقول: يختلفُ مقتضى الحال بحسب اختلاف مقامات الكلام، قد يَقتضي الكلام أن يكون منكَّرًا، قد يقتضي الحال أن يكون الكلام منكَّرًا، جزأيه أو أحدهما، أو معرّفًا ومقام التعريف يُبايِن مقام التنكير، كذلك التقديم والتأخير: مقام التقديم يُبايِن مقام التأخير، وكذلك مقام الحذف يُباين مقام الذكر، ومقام الوصل يُباين مقام الفصل، ومقام الإيجاز يُباين مقام المساواة في الإطناب، مقام خطاب الغبي يُباين مقام خطاب الذكي، هذه كلّها تسمى مقتضيات، الذي يقتضيها هو الحال؛ الأمر الداعي إلى التكلم على وجهٍ مخصوص.
إذن: حدّ البلاغة مطابقة الكلام لمقتضَى الحال، مع فصاحته، هذا الركن الثاني في حدّ البلاغة، وأسقطه الناظم هنا، قيل: لضيق النظم، ولكن هذا الصواب أنه لا يُعتبر عذرًا، لماذا؟ لأن ضيق النظم إذا أدّى إلى خللٍ في التعريف تقول: هذا غير مغتفَر، هذا هو حد البلاغة.
وذكرنا أن الناظم حصرَ الكتاب في ثلاثة فنون، لماذا؟ تبعًا للأصل، والأصل حصر البلاغة في ثلاثة فنون، لماذا؟ نقول: مرجع البلاغة أمران: لا تحصل البلاغة إلا بوجودهما: الاحتراز عن الخطأ في تأديةِ المعنى المراد، هذا مرجِع البلاغة، وهذا الذي عبّر عنه بالجزء الأول مطابقة الكلام لمقتضَى الحال.
الثاني: تمييز الفصيح عمّا سواه، هذا الذي عَنونَ بالتعريف مع فصاحته، لا تُوجد البلاغة إلا بوجود هذين الأمرين، فإن انتفى أحدهما انتفت البلاغة؛ لأنه قد يُؤدّى المعنى، أو قد يُؤدّى الكلام مُطابقًا لمقتضى الحال، لكن يكون الكلام غير فصيح، فتنتفي البلاغة، أو يكون الكلام فصيحًا غير مطابق لمقتضى الحال فتنتفي البلاغة.
تمييز الفصيح عمّا سواه هذا أيضًا يُعرف في فن البلاغة، لكن بالإحالة، يعني: لا يُذكر في نفس الفن، وإنما بالإحالة إلى فن آخر؛ لأن فصاحة المفرد كما ذُكر خلُوصه من الغرابة والتنافر واختلاف القياس .. القواعد الصرفية، نقول: الغرابة هذه من أين تعرف؟ من متنِ علم اللغة، لأن الغرابة معناها: أن تكون وحشية غير مألوفة الاستعمال، فينظر الناظم مَن أراد أن يكتسب البلاغة، ينظر ويقرأ في هذه الكتب، كتب المفردات كاللسان والقاموس ونحوه، حينئذٍ بالممارسة يعرف الكلمات المأنوسة الاستعمال، فإذا مرّ به كلمة غريبة وحشية حكمَ عليها بأنها غريبة منافية للفصاحة.
إذن: المرجع هنا في معرفة الغريب من غيره علم متن اللغة، إذن: علم متن اللغة من علوم البلاغة، لكنه لا يُذكر في كتب البلاغة، وإنما يُذكر بالإحالة، يعني: إذا أردت أن تعرف الغريب من غيره فعليك بالعناية بكتب مفردات اللغة، إذن: كتب مفردات اللغة داخلة في حد البلاغة.
تنافرٍ: هذا يُدرك بالحس السليم والطبع المستقيم، يعني: الذوق الذي يكتسبه المكتسِب إن كان مُكتسبًا أو يكون بالأمر الفطري إن كان من أهل البلاغة الأوائل، نقول: الذوق هو الذي يميّز أن هذه الكلمة متنافرة الحروف أو لا، وأن بين هذه الكلمات تنافرًا أم لا، الذوق الذي مرجعه الحسّ.