أطلقَ بعضُهم علم البيان على الثلاثة الفنون، فسمى علم المعاني علم البيان، والبيان البيان، والبديع أيضًا أطلق عليه علم البيان، ووجهه: أن البيان في اللغة هو الظهور، أو المنطق الفصيح المُعبِّر عما في الضمير، وهذه لا شك، وهذه لا شك أنها كل الفنون مُشترِكةٌ في هذا المعنى، الظهور الذي يُحترز به عن الخطأ في تأدية المعنى المراد لا شكّ أنه ظاهرٌ على غيره، كذلك الذي يؤدَّى به .. المعنى الواحد الذي يؤدى بطرق مختلفة لا شك أنه ظاهرٌ في نفسه، وكذلك البديع من جهة المحسّنات اللفظية والمعنوية لا شك أنها تظهر اللفظ وتظهر المعنى.
سمى بعضهم علم المعاني وعلم البيان والبديع: سماها علم البديع كلها، عكس الأول، الأول أُطلق علم البيان على الكل، يقابله من أطلق علم البديع على الكل، قال: لأن البديع مأخوذ من البداعة إذن فيها ظرافة وفيها لطافة، ولا شك أن كل الفنون مُشتمِلة على هذا المعنى.
وبعضهم عبّر عن الأول بعلم المعاني، وعن الثاني والثالث بعلم البيان تغليبًا للبيان، ولعلّه قد يميل إلى أن البديع متمِّمٌ للبيان دون المعاني، قد يكون هذا: أن علم البديع عنده مُتمّمٌ لعلم البيان، هذه ثلاث إطلاقات.
وذكروا أن عبد القاهر الجرجاني يُطلِق على علم المعاني وعلم البيان: صناعة البلاغة، ويُطلق على البديع الفصاحة، ويُطلق على البديع خاصةً الفصاحة، هذه نقول: مجرد اصطلاحات، ولا مشاحّة في الاصطلاح ما لم تُخالف أصلا، ليست على إطلاقها ما لم تخالف أصلًا نقول: لا مشاحاة في الاصطلاح، وهنا إن سمي الأول معاني أو الثاني إلى آخره لا إشكال فيه.
عرفنا هذا الآن حصر الفنون في .. أو حصر الفن في هذه الثلاثة الفنون سببه ما ذكره.
ثم قال: الفن الأول علم المعاني.
الفن الأول، (أل) هذه للعهد الذكري، هل ذُكرَ لفظ الفن أولًا، ثم أعاده معرفةً؟ في المقدمة، الفن الأول، قلنا: (أل) هذه للعهد الذكري، إذا أُعيدت النكرة معرفةً فهي عينُ الأولى، وتُسمى (أل) فيها للعهد الذكري، أين ذُكر لفظ (فن) نكرةً؟ في المقدّمة، التي انتهينا منها الآن، هو فنٌ حافظٌ. أحسنت! في التقدير: هو فنٌ حافظٌ تأدية المعاني. الفن الأول، إذن: أُعيدت النكرة معرفة فهي عين الأولى.
إذن: الفن الأول، أي: الذي ذكره بقوله:
وحافِظٌ تأدِيةَ المعاني ... عَنْ خَطَأٍ يُعْرَفُ بالمعاني
الفنُّ ذكرهُ صاحب القاموس أن بمعنى: الحال والظرف من الشيء، يجمع على أفنان وفنون، لكن في العرف الخاص عند العلماء يُطلق الفن مُرادًا به العلم، وبعضهم يُميّز، يقول: ما كان قواعد وأصول، والفن: ما كان يُؤخذ بالممارسة والملكة، والأشهر أنه بمعنى: العلم، إذن: الفن الأول المراد به: العلم الأول، ولذلك آثر لفظ الفن على القسم؛ لأن الفنّ في العرف الخاص عند العلماء يُستعمَل بمعنى: العلم، والقسم يُستعمَل بمعنى: العلم وغيره، لو قال: القسم الأول بدل الفن الأول، هل هناك إشكال؟ لا إشكال، لكن الأولى إطلاق لفظ الفن؛ لأنّ ما لا يحتمل غير العلم أولى مما يحتمل العلم وغيره، فإذا كان لفظُ القسم يحتمل العلمَ وغيره حينئذٍ يكون استعمال لفظ الفن هذا أولى.