إذن: آثر لفظَ الفن ولم يستعمل القسم؛ لأن الفنَّ في العرف الخاص لا يُستعمل إلا في العلوم بخلاف القسم فإنه يستعمل فيها وفي غيرها.
الفن الأوّل علم المعاني، الأوّل بمعنى: الأسبق، يَرِد أول في لغة العرب على ثلاثة أوجه:
أن يُستعمل صفةً، وأن يُستعمل اسمًا، وأن يُستعمل ظرف، هذه ثلاثة أوجه لهذا اللفظ، أن يكون صفةً، يعني بمعنى: أفعل التفضيل، فحينئذٍ يكون بمعنى: الأسبق، فيأخذ حكم أفعل التفضيل من منع الصرف وعدمِ تأنيثه بالتاء ودخول (مِن) عليه، ولذلك يُقال: لقيته عامًا أولَ، بالمنع من الصرف، وهذا على جهة الاشتقاق في أصل الكلمة يُشكِل عليه إيراد واحد:
أن: (أوّل) قيل أصله قبل الإدغام: (وَوَل) أُدغمت الواو الأولى في الثانية بعد سَلبِ حركتها، ثم جِيء بالهمزة للابتداء، إذا قيلَ: أصله أفعل التفضيل كيف يكون: (وَوَل) ؟ هذا فيه إشكال، ويَرِد على (وَوَل) هذا أيضًا أن الهمزة هنا همزة قطع في (أول) وليست همزة وصل، والذي يُجتلَبُ للابتداء بساكن هو همزة الوصل، فحينئذٍ نعدِلُ إلى القول الآخر، أن أصله: (أَوأَل) أفعل، قُلبت الهمزة الثانية واوًا ثم أُدغمت الواو في الواو، هذا أولى ما يقال في هذا الوجه: أن (أوّل) صفة بمعنى أفعل التفضيل، فيكون بمعنى: الأسبق، هذا أول من هذين، يعني: أسبق منهما: لقيته عامًا أول، أي: أسبق.
الثاني: أن يكون اسمًا، فحينئذٍ يكون مصروفًا: لقيته عامًا أولًا بالتنوين، ومنه قوله: ما له أولٌ ولا آخرٌ.
قال أبو حيان: وفي محفوظي أن هذا يُؤنَّث بالتاء ويصرف، هذا النوع الذي هو: (أول) بمعنى الاسم .. وفي محفوظي: أن هذا يُؤنث بالتاء ويصرف، فيقال: أوَّلَةٌ وآخِرَةٌ.
الثالث: أن يكون ظرفًا، رأيت الهلال أولَ الناس، أي: قبلهم، قال ابن هشام رحمه الله: وهذا هو الذي إذا قطع عن الإضافة بُني على الضم، إذً: (أول) مثل فوق .. مثل بعد وقبل، أنه إذا قُطِع عن الإضافة بُني على الضم، متى؟ إذا نُوِي معناه دون لفظه، يعني: معنى المضاف إليه دون الفظه.
هذه ثلاثة أحوال لـ (أول) .
الفن الأول، يعني: الأسبق، ولذلك نُقدِّر: الفن الأول من الفنون الثلاثة السابقة علم المعاني، الفن الأول، أي: الفن الأسبق من الفنون الثلاثة علم المعاني، الفن قد يُقصَد به المعنى، وقد يُقصَد به الألفاظ والعبارات، الفن قد يُطلق ويُراد به اللفظ، وقد يُطلق ويُراد به المعنى علم المعاني، هذا الأصل أنه علم، فإذا أطلق الفن وأريد به الألفاظ والعبارات حينئذٍ لا بد من التقدير؛ إما في الأول أو في الثاني، يعني: على حذف مضاف: معاني الفن الأول علم المعاني، ليوافق الحمل هنا؛ ليطابق الحمل، أو يبقى على أصله: أنه بمعنى الألفاظ والعبارات ويُقدَّر في الثاني، فيقال: الفن الأول ألفاظ علم المعاني ليوافق أو ليطابق الحمل.
أما إذا كان بمعنى: المعنى دون اللفظ فلا إشكال، وإنما الإشكال إذا استُعمِل الفن هنا بمعنى: اللفظ وجُعل المعاني على أصله، أن المراد به المعنى دون اللفظ.