مطابقًا، قلنا: تعلّقَ به قوله: لمقتضى الحال، فإذا أردنا أن نُعيد صياغة الحدّ، نقول: عِلمٌ يُعلمُ به أحوال اللفظ التي بها يطابق مقتضى الحال، علم قلنا: يحتمل أن يراد به أحدُ الأمور الثلاثة السابقة، إما المسائل، وإما الإدراك، وإما الملكة، كلٌ جائز، لكن الإدراك هنا تفسيرُهُ فيه إشكال لفظي، لا من جهة الإطلاق؛ لأنه قال: علمٌ يُعلم به، إدراك يُدرَك به، كيف يصير هذا الكلام؟ صار فيه تكرار بل بعضهم يقول: ... إذا جُعل العلم هنا: إدراك وإدراك، إذا فسّرنا العلم بالإدراك، ويعلم الثانية بأنها إدراك، إدراكُ إدراكٍ؟! هذا فيه خلل من جهة التركيب.
فحينئذٍ يُحمل علمٌ هنا، لهذا التعريف لخصوصه فقط، يحمل هذا العلم هنا بمعنى المسائل أو الملكة، ملكةٌ يُقتَدر بها على تأدية المعنى المقصود، يعني: مطابقة أحوال اللفظ للمقام، علمٌ يُعلم به، أي: بهذا العلم، أحوال اللفظ، العلم: هذا جنس، يُعلمُ به أحوال اللفظ، أحوال جمع حال، والمراد بها هنا الأحوال؟ ما يَعتري اللفظ من الصفات، إذن: أحوال اللفظ، هذا احترزَ به عما يُعرف به نفس اللفظ، أو اللفظ نفسه، وهو علم مفردات اللغة.
وكذلك خرجَ به: ما يُعلم به غير أحوال اللفظ، كعلم الحساب، فعلم الحساب هذا لا يُعلم به أحوال اللفظ، وإنما يُعلم به أحوال العدد، كونه زوجًا؛ يقبل القسمة أو لا يقبل، فردًا أو لا، نقول: أحوال اللفظ أخرجَ ما يُعلم به غير أحوال اللفظ، وأحوالُ اللفظ أخرج ما يُعلمُ به نفس اللفظ.
كذلك خرجَ به: علم البيان؛ لأن البيان لا يُعلمُ به أحوال اللفظ، وإنما يُعلم به كيفية إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة.
وخرجَ به أيضًا: علم البديع؛ لأن علم البديع لا يُعلم به أحوال اللفظ، وإنما يُعلمُ به المحسِّنات البديعية اللفظية أو المعنوية، البديعية التي تعتبرُ بعدَ رعاية مطابقة الكلام.
مما التي بها يُطابِق مقتضى الحال، يعني: من حيث إن اللفظَ يُطابِق بها، لا من حيث ذاتها، (مما) قال هنا: التي بها يطابق مقتضى الحال، أحوال اللفظ: هذه يُبحَث عنها من جهات متعددة، كما ذكرنا بالمحترزات، التي بها يُطابق مقتضى الحال، هذا بيّن لنا أن المراد بهذه الأحوال التي يقتضيها الحال، من جهة التقديم والتأخير والتعريف والتقديم والوصل والفصل إلى آخره، والتي تُبحَثُ في علم المعاني، هذا هو علم المعاني: أنه علمٌ يُعلمُ به أحوال اللفظ التي بها يُطابِق مقتضى الحال، ويُبيّنُ هذا الحد ويفسِّره دراسة علم المعاني نفسه بأبوابه الثمانية؛ لأن تصوّر الحد وخاصةً لمن لم يعلم العلم، هذا فيه نوع قصور، يعني: لا يمكن أن نتصوره، لذلك يقولون: يُقدَّم الحدُّ ليحصل له تصورٌ ما.
لو قلنا: مبادي كل فنٍ عشرة: الحدّ، كيف يعرف الحدّ؛ حدّ الفن، ثم يستحضر جميعَ الفن الذي يدخُل في هذه الحد؟ هذا فرعٌ عن إدراك العلم نفسِه، ولا يحصل بنفس الحد، وإنما الحدُّ يحصل به تصورٌ ما، يعني: وإن قلَّ، فقط أن تعرف أن علم المعاني قواعد وأصول يُعرف بها أحوال اللفظ التي يقتضيها الحال، وستأتي بابًا بابا:
عِلْمٌ به لمقتضى الحالِ يُرى ... لفظٌ مطابقًا ...
يعني: التي بها يُطابق مقتضى الحال، أي: من حيث إن اللفظ يطابق بها لا من حيث ذاتها.