فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 828

قال: وربما أُجْرِيَ مُجْرَى الجاهِلِ مُخاطَبٌ، أُجرِيَ مجرى الجاهل: هو يعلم الفائدة .. فائدة الإخبار .. هو يعلمُ لازمها، لكن قد يُخاطب بخطاب الجاهل الذي لا يعلم، لماذا؟ إن كان غيرَ عالم بأنّ العلمَ الذي هو فائدة الإخبار ولازمها هذا يقتضي العمل هذا الأصل، فإذا وُجِدُ العلم ولم يُوجد العمل انتفى المقتضَى ووجد المقتضِي، فحينئذٍ وجود العلم وعدمه سواء، فلذلك سُوِّيَ بين الجاهل والعالم إذا انتفى عمل العالم؛ فحينئذٍ لهذه النكتة يُنزَّل العالم بالفائدة أو لازمها منزلة الجاهل.

ولذلك جاء في القرآن قوله تعالى: (( وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) ) [البقرة:102] قال: ولقد عَلموا: هذا قسم تأكيد؛ أثبت العلم لأهل الكتاب أو لا؟ أثبتَ العلم على سبيل التأكيد، إذن: العلمُ الذي هو حصول صورة الشيء في الذهن موجودة، (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ) إلى أن قال: (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) إذن: لا يعلمون، فكيف يثبت في الأول؛ يَرِدُ السؤال هنا، كيف أثبتَ في الأول أول الآية العلم وأكّدهُ بالقسم (ولقد) و (قد) أيضًا أكّدَهُ بالقسم واللام، وفي الآخر الآية قال: (( لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) ) [البقرة:102] نفى عنهم العلم.

العلم الأول الذي هو حصولُ صورة الشيء في الذهن ثابت، ولكن لما انتفى مقتضاهُ وهو العمل بالعلم نُزِّلَ ذلك العلم أو سُوِّيَ ذلك العلم بعدمه، يعني: سُوِّيَ بين العالم والجاهل، فقيل: (( لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) ) [البقرة:102] نُفيَ العلم هنا لا باعتبار كونه غيرَ موجود الذي هو حصول صورة الشيء في الذهن، وإنما لانتفاء العمل.

إذن: (( وَلَقَدْ عَلِمُوا ) ) [البقرة:102] نقول: هنا تأكيد قسمي، (( وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) ) [البقرة:102] أثبتَ العلمَ على سبيل التأكيد القسمي في أوّلِ الآية باعتبار ذاتِهِ، لا بالنظر إلى مُقتضاه، لكن لما نُظِرَ إلى مُقتضاه ولم يُوجد هذا المقتضى؛ مقتضى العلم نُفيَ عنه.

(( وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ ) ) [التوبة:12] قال: (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ) أثبتَ الأيمانَ وأثبتَ نكثَ الأيمان، ثم قال: (إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ) إذن: قد يُنزَّلُ العالم منزلة الجاهل فيُخاطب مخاطبة الجاهل، لذلك قال: وربما .. ربما أُجرِيَ، ربّ: للتكثير كثير، وللتقليل قليل، أليسَ كذلك؟ وهي من خواص ّالأسماء، هنا دخلت على الفعل، لماذا؟ نعم كُفَّت، ربُّ هنا مكفوفة:

وزِيد بعد رُبَّ والكاف فكَفّ .. فكفّ، يعني: كَفَّت عن العمل، وكفَّت عن الدخول على الجملة الاسمية أو على الاسم؛ لأن رُبَّ من خواص، بل من خواصّ النكرات:

فكلُّ ما رُبّ عليه تدخل فإنه منكرٌ يا رجل

ورُبَّ تأتي أبدًا مصدرة ولا يليها الاسم إلا نكرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت