إذن: رُبَّ هنا دخلت على .. الأصل أنها تدخل على الجملة الاسمية فإذا كُفَّت، يعني: زِيدَت (ما) وكفّتها عن العمل نقول: رُبَّ هذه مكفوفة (( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) ) [الحجر:2] فحينئذٍ لا تختصّ بالجملة الاسمية بل تدخل على الجملة الفعلية.
وربما: لكن هل (رُبَّ) هنا للتكثير أو للتقليل؟ هل تنزيل العالم منزلة الجاهل كثير أو قليل؟ نقولُ: هو في نفسه كثير، لكن باعتبار غيره قليل؛ لأن النسبة قد يُنظر الشيء إلى نفسه، وقد يُنظرُ في النسبة إلى غيرِه، قد يكون في نفسِهِ كثير، ولكن مع غيره؛ مع اعتبار غيره نقول: قليل، وهذا لا بأس.
وربما أُجْرِيَ مُجْرَى، يعني: جرى الشيء مع الشيء، وجاراه إذا سارَ معه، وعبارة الأصل:
وقد يُنَزَّل عالم هذين كمَن قد يجهل ..
هكذا قال السيوطي، وقد يُنَزل عالم هذين، غرضين: فائدة الإخبار ولازمها، كمن قد يجهلُ ..
لعدم الجري على مُوجَبِه وقد أتى لغير ذا .. لعدم الجري، يعني: السير على مُوجَبهِ، إذا لم يقتضِ العلمُ العمل كان العلم بمنزلة العدم، ولذلك قال:
وربما أُجْرِيَ مُجْرَى الجاهِلِ ... مُخاطَبٌ إِنْ كانَ غيرَ عاملِ
يمثّلون كما مثّل الشارح: إذا كان شخصٌ تاركًا للصلاة ويعتقدُ وجوبها، وهذا يحصل الآن، يسمع الإقامة فتقول له: أُقيمت الصلاة، أو الصلاة واجبة هذا أحسن، هو يعتقدُ وجوب الصلاة، ولكن تنِزِّلُهُ منَزَلة الجاهل، لماذا؟ لأن الأصل مَن اعتقدَ وجوب الصلاة يتركُها أو يصلي؟ يصلي، فإذا ترك الصلاة مع اعتقاد الوجوب نُزِّلَ هذا الاعتقاد في التخاطب لا في الإثم ونحوه، في التخاطب المخاطب أو الإنكار، نُزِّل هذا الاعتقاد مُنَزلة العدم، كأنه جاهل بحكم الصلاة، تقول له: الصلاة واجبة.
عاقٌّ يعُق أباه، وتراه فتقول له: يا زيدُ هذا أبوك، هو يعرف أنه أبوه، ولكن تُنَزِّله مُنَزلة الجاهل الذي لا يعرف أباه.
وربما أُجْرِيَ مُجْرَى الجاهِلِ ... مُخاطَبٌ إِنْ كانَ غيرَ عاملِ
فيُلقى إليه الخبر كما يُلقى إلى الجاهل
كقولنا لعالمٍ ذي غفلةِ ... الذكرُ مفتاحٌ لبابِ الحضرةِ
هذا مثال، لو قِيل لعالم: عالم ذي غفلة، هذا يُتصوّر وجوده؟ عالم بمعنى: وجود المعلومات يحفظ ويحفظ ويحفظ، لكن لا يقتضي هذا أن يكون عاملًا، ولذلك يقولون: العلم نوعان: علم رعاية وعلم دراية، دراية بمعنى: التحصيل، يحصِّل ويرعى هذا العلم، يعني: يحاسِب نفسه علم أو لم يعمل؛ ترك، إلى آخره.
كقولِنا لعالم ذي غفلة، يعني: ذي غفلة عن ذكر الله مع علمِهِ بأنّه وسيلة إلى حضرة المذكور هكذا يقولون، الذكرُ مفتاح لبابِ الخشية: (( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) ) [فاطر:28] الذكر مفتاحٌ لباب الخشية، الذكر بمعناه العام: (( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي ) ) [طه:124] يعني: عن كتابي وما جمَعَهُ، أو: (( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي ) ) [طه:124] يعني: ذكره باللسان، يحتمل هذا وذاك، الأحسن في مقام مثل هذا يُعمَّم.
كقولنا لعالمٍ ذي غفلةِ ... الذكرُ مفتاحٌ لبابِ الحضرةِ