يعني: الخشية، التي هي منزلة من منازل السائرين، هذه لها مفتاح ولها نهاية وغاية، وهذا لا إشكال فيه، لكن اللفظ هنا قال: لباب حضرة؛ لأنه جرى على طريقة الصوفية، والمقصود بالحضرة كما ذكرها الشرح: الحضرة الإلهية، ويُعبَّر عنها بحضرة القدس، وهي الحالة التي إذا وصلَ إليها السالك سُمّي عارفًا وواصلًا: أن يكون في حالةٍ لا يَرى فيها إلا المولى سبحانه، وهذا من خرافاتهم.
فانيًا عن الأكوان، الأكوان: مقصود الصوفية بالأكوان التي يُسمّونها"الأغيار والأكوان"يعني: الزوجة والولد والمال والدنيا بما فيها، تُسمّى أغيار؛ غير الله عز وجل، أو أكوان، فيقول: الذكر إذا ذكر الله كأنه يفنى عن هذه فلا يراها .. فلا يرى إلا الله، سبحان الله!
متوجِّهًا بقلبه إلى الرحمن .. متلقِّفًا ما يُلقيهِ المولى سبحانه في قلبه من لطائف العرفان، لذلك يقولون: حدثني قلبي عن ربي.
كقولنا لعالمٍ ذي غفلةِ ... الذكرُ مفتاحٌ لبابِ الحضرةِ
هكذا نقول أحسن، فينبغي إذا عُلمَ ذلك أن قصد الإخبار أو المخبِر فائدتان: فائدة الإخبار ولازمها، وأنه قد يُنَزَّل العالم بهاتين الفائدتين مُنَزلة الجاهل، حينئذٍ كيف يكون الخطاب مع المخاطبين باعتبار هذين الغرضين، كيف نخاطب الناس، وكيف نتخاطب، وكيف نفهمُ أصلًا كتابَ ربنا في مثل هذه المواضع؟
قال: فينبغي الثاني التفريع، يعني: يتفرَّعُ عما قعدناه لك من أن المخبِر إما أن يريد نفسَ الحكم، أو كون مخبِرٍ به ذا علم، وأن الجاهل أو العالم قد يُنَزّل منزلة الجاهل، قال: فينبغي حينئذٍ إذا تقرّرَ هذا .."ينبغي"الأصل في الأسلوب القرآن أنها تأتي لأشدِّ التحريم، وهذا مما يُضاف هنا في الأصول؛ من صيغ التحريم"ينبغي".
وهذا اللفظ: (ينبغي) هكذا يقال فيه: (ينبغي) ، ومن الخطأ أن يقال: ليس من المُنبَغي أن يُتصرف فيه، فقيل هو هكذا: فعل مضارع وليس له مصدر، ولا يُشتقّ منه اسم فاعل ولا اسم مفعول، وإنما يُنطق بلفظه هكذا: (( وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا ) ) [مريم:92] هذا أشدُّ أنواع المنع، هكذا في القرآن، لكن استعمله الفقهاء وغيرهم في معنى المستحب، لذلك يقول: هكذا على ألسنة الفقهاء والمفتين إلى يومنا: لا ينبغي، يقصد به أنه يخالف الصواب، أو أنه فعلَ غيرَ مستحب، لكن في القرآن لا، إنما تُحملُ على أشد أنواع المنع، وأعلى درجات الإنكار .. فينبغي: (( وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا ) ) [مريم:92] .
هنا قال: فينبغي اقتصارُ ذي الإخبار على المفيدِ، إذا كان غرضُك أيها المخبر إحدى هاتين الفائدتين السابقتين إما وإما، حينئذٍ ينبغي أن تقتصرَ في التركيب على قَدرِ الحاجة، ماذا تريد؟ تُريدُ فائدة الإخبار إذن: تأتي بتركيب لا يَزيدُ على هذه الفائدة ولا يَنقُص، تريد لازمَ الفائدة فحينئذٍ لا تأتِ بتركيب يزيد على الترتيب الذي يُفيدُ لازم الفائدة، وإلا إذا كانت الزيادة .. هذه قاعدة عندهم: إذا كانت الزيادة لغير معنىً عندهم فهذا يُعتبرُ من الحشو واللغو.