فحينئذٍ إذا تقرّرَ ما سبق فينبغي اقتصار؛ فلا يزيد ولا يُنقص ليطابق كلامه مقتضى الحال، ولا داعي إلى الزيادة على ذلك، فينبغي اختصار ذي الإخبار، يعني: المُخبِر .. المتكلِّم بالخبر المُلقَى إلى الجاهل لفائدة الإخبار أو لازمِها، أو إلى المُنَزّل مُنَزلة الجاهل ليعمّ الأمرين، فينبغي اقتصار ذي الإخبار، يعني: المُلقِي للخبر، إما لفاقدِ تلك الفائدتين، أو للمُنَزّل مُنَزلة الجاهل.
اقتصار على المفيد، يعني: على الكلام المفيد، وهو يتنوَّعُ بحسب حال المخاطب، إذا كان المفيد، يعني: لا يُلتزم فيه درجة واحدة، وإنما يتنوّع بتنوع المخاطب؛ لأن المخاطَب كما سبق قد يكون خالي الذهن .. قد يكون مُنكِرًا .. قد يكون متردّدًا، فحينئذٍ لا بد من تركيبٍ يُفيدُ الكلَّ؛ كلًا بحسبِهِ.
على المفيد خَشْيةَ الإكثارِ: خشية الإكثار، هل هو علّةٌ للاقتصار أو لقوله: لا ينبغي، لا ينبغي الزيادة يعني والإكثار؟ نقول: هذا علّةٌ للاقتصار، فينبغي اقتصارُ، لماذا تَقتصر؟ خَشْيةَ الإكثارِ، خشية؛ ما إعرابه؟ مفعولًا لأجله، يعني: علّة للاقتصار هكذا قيل، والاقتصارُ هذا مصدر لذلك صحّ، خَشْيةَ الإكثارِ: علة الاقتصار لا لينبغي لاختلاف الفاعل، أي: حذَرًَا من الإكثار لغير حاجة؛ لأنّ ذلك من اللغو المنهي عنه في شرع البلغاء هكذا قيل.
فيُخْبِرُ الخالي، إذن: عرفنا أن القاعدة العامة أنه لا يَزيدُ ولا يُنقص، لا يأتي بتركيبٍ زائد، ولا يأتي بالناقص، فحينئذٍ كيف يخرجُ الكلام من المتكلم؟ قسّموا لك المخاطب ثلاثة أنواع: إما خالي الذهن، وإما متردّدًا في الحكم، وإما منكرًا، ثلاثة أحوال، لكلّ واحدٍ من هذه الأحوال الثلاثة طريقةٌ خاصّة تختصُّ به، ولكنها أغلبية؛ لأنه قد يُعاملُ الخالي معاملة المتردّد، وقد يُعامل المُنكِر معاملة الخالي.
إذن: كلٌ منهما قد يُنَزَّل مُنَزلة الآخر، لكن الأصل في خروج الكلام أن يخرجَ على مقتضى الظاهر، يعني: إذا كان المقتضِي خلو ذهنه عن الحكم كان المقتضَى أن يكون الكلام خاليًا عن المؤكدات، وإذا كان المقتضي كون المخاطب متردّدًا في الحكم نقول: ينبغي أن يكونَ المقتضى الذي هو الكلام، الذي يوجَّهُ للمخاطب أن يكون مؤكّدًا بمؤكِّدٍ واحد تحسينًا، وإذا كان المقتضِي مُنكِرًا للحكم حينئذٍ يناسبُهُ أن يكون المقتضى الذي هو الكلام كلام المخاطب؛ أن يكون مؤكدًا بمؤكِّدٍ واحدٍ أو أكثر كما سيأتي.
فيُخْبِرُ: الفاء هذه للإفصاح، كأنه سألَ سائل قال: إذا كان ينبغي اقتصار ذي الإخبار على المفيد فكيف نوجّهُ الكلام، وكيف نُخرجُ هذه التراكيب؟ قسّم لك المخاطب، فقال: فيُخْبِرُ الخالي، الخالي: المقصود به خالي الذهن، فـ (أل) هذه إمّا للعهد الذهني فيحتاج إلى أن يُبين المعهود الموَقِّف، من هو الموَقِّف؟ يقولون: مثل هذا التركيب (أل) يحتمل أنها للعهد الذهني، والعهد الذهني لا بد أن يكون بين المخَاطَب والمخَاطِب معهودٌ ذهني: