فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 828

فَحَسَنٌ، إذن: عرفنا النوع الثاني: أن يكون متردِّدًا في الحكم، ضابطُهُ: أن يتصوَّر الطرفين المسند إليه والمسند، ويتصوَّر النسبة بينهما، لكنه مُتحيِّر في الإثبات .. في الوقوع واللاوقوع، وطالبًا للحكم ليعلمَهُ، حينئذٍ نخبرُهُ بالخبر مع التأكيد حسنًا .. استحسانًا يُستحسَن أن يؤكد، ولو تركَهُ بدون تأكيد جائز، يجوزُ لكنه خلافُ الأولى، فإذا قال: زيدٌ قائمٌ وهو متردِّدٌ، نقول: أخبرتهُ بالفائدة، فائدة الإخبار ولكن تركتَ الأحسن والأبلغ وهو أن يؤكَّد له؛ لأن التأكيد عبارة عن تكرير الجملة مرّتين، فإن زيدًا قائمٌ .. زيدٌ قائمٌ .. زيدٌ قائمٌ، كأنك قلت: زيدٌ قائمٌ، زيدٌ قائمٌ، وقيل: بل تكريرُها ثلاث مرات: زيدٌ قائمٌ .. زيدٌ قائمٌ .. زيدٌ قائمٌ، إذن: عرفنا فَحَسَنٌ.

ومُنْكِرُ الأَخبارِ حَتِّمْ، ومنكرُ الإخبار: هذا النوع الثالث من المخاطب: أن يكون مُنكِرًا للخبر، يعني: مُنكِرًا للحكم، أي: حاكمًا بخلافِهِ، زيدٌ قائمٌ هو يحكمُ بأن زيدًا جالس مثلًا، يحكم بخلاف الخبر، هنا تريدُ أن تخبره بخبر مؤكَّد، لكن مضمون الخبر وحُكم الخبر الذي تريد إلقائه إلى المنكِر هذا عندَه خلافه، فحينئذٍ يجبُ تأكيدُهُ، فتقول: إن زيدًا قائمٌ، أقل ما يصدُقُ عليه وجوب الإنكار، أو وجوب التأكيد في مخاطبة المنكِر: أن يؤكَّد بمؤكّد واحد، طيب! يلتبسُ بالسابق؛ لأننا قلنا: فحسنٌ، هنا يؤكَّد له بمؤكدٍ واحد، هذا الأصل، وهو يقتضي أن يكون المنكِر يُبدأ باثنين فأكثر، ولا يكون بواحد حتى تكون القسمة مطردة، الأول لا يؤكَّد، والثاني يؤكَّد بمؤكد واحد، والثالث يبدأ باثنين فثلاثة، إلى آخره.

نقول: لا، هنا يُؤكَّد بمؤكد واحد، والذي يُميِّزُ النوعين هو القرائن والسياق، قرائنُ أحوال الشخص، لا نقول: المقتضي .. مقتضي الحال هنا لا بدّ من اللفظ وما يعترضُهُ من حالٍ، الأمر الداعي إلى التكلّم على وجهٍ مخصوص، قد يأتيك إنسان تعرف أنه غبي، فحينئذٍ لا بد أن تخرجَ له الكلام يناسب ذهنه، الذهن هذا خارجٌ عن مقتضى اللفظ، إذن: لا يُشترط أنه لا يُراعى إلا الألفاظ، بل القرائن والأحوال العامة هذه تراعى.

فحينئذٍ الذي يُميّز التأكيد للمتردد، والتأكيد أيضًا بمؤكّدٍ واحدٍ للمُنكِر هو القرائن.

ومُنْكِرُ الأَخبارِ حَتِّمْ، ومُنكِر: هذا مبتدأ، ومنكِر الإخبار، يعني: منكرٌ للحكم أي: حاكمًا بخلافه حَتِّمْ، كيف ومنكِر الإخبار حتّم؟ فتأكيده حتمٌ، أيضًا حتمٌ هذا خبرٌ لمبتدأ محذوف، أي: التأكيد حتمٌ، والجملة خبر المبتدأ الأول، ومنكِرُ مبتدأ، هو مضاف والإخبار مضاف إليه.

حَتِّمْ: هذا خبر مبتدأ محذوف، والتأكيد فالتأكيد حتمٌ، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ الأول، حتمُ، بمعنى: محتوم؛ لأن الحتم كما سبق أنه في اللغة يأتي بمعنى الوجوب:

والفرضُ والواجبُ قد توافقا كالحتم واللازم مكتوب ...

هذه ألفاظ تدل على الوجوب: (( كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ) ) [مريم:71] فالحتم ومادّته تدلُّ على ما يدلُّ عليه الإيجاب:

والفرق والواجب قد توافقا كالحتم ..

إذن: حَتِّمْ: المراد به الوجوب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت