إذن: النوع الثالث: إذا كان الكلام قد أُلقيَ، أو الخبر أُلقيَ إلى مُنكِرِ الحكم، يعني: الحاكم بخلافه يجبُ تأكيدُهُ بمؤكِّدٍ فأكثر، لكن قال: بِحَسَبِ الإنكارِ، يعني: التأكيد هنا متى نقول .. كلُّ مُنكِر نعطيه اثنين وثلاثة وأربعة؟ نقول: لا، بحسب الإنكار، يعني: يختلف التأكيد هنا بقدرِ الإنكار؛ لأن الإنكارَ له درجات، له أدنى وله أعلى، قد يُبالِغ في الإنكار وقد لا يُبالِغ.
إنسان يُنكِر أنك صادق، تقول: إني صادقٌ، هو يُنكِر، زاد وقال: لا، لا، لست بصادق، تقول: إني لصادقٌ، زدت مؤكّد، قال: لا، لا، أنت كاذبٌ؛ بائن على وجهك! تقول: والله إني لصادقٌ، كلما زادَ في الإنكار تزيدُ له في المؤكِّدات، ولو زاد؟! تحلفُ له: والله الذي لا إله غيره إني لصادقٌ، وهكذا.
إذن: اختلفت المؤكِّدات باختلاف الإنكار، فكلما زادَ إنكاره زدتَ له من المؤكِّدات.
قال: حَتِّمْ له، يعني: لمنكِر الإخبار، بِحَسَبِ الإنكارِ، أي: بقدره قوةً وضعفًا وهذا المثال ذكره صاحب التلخيص القزويني في الإيضاح: أنه يقول له: إني صادقٌ لمن أنكرَ وأثبت الكذب، فإن زاد فقل: إني لصادقٌ، بزيادة اللام، فإن زاد في الإنكار، تقول: والله إني لصادقٌ.
لكن مثّلَ هنا بقوله تعالى، آية ياسين .. كقوله تعالى حكايةً عن بعض الرسُل: (( إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ) ) [يس:14] .. (( وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ) ) [يس: 13 - 14] كم تأكيدا؟ (إن) واسمية الجملة، كم مؤكِّدا؟ مؤكدين، كقوله: (( إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ) ) [يس:14] (إن) واسمية الجملة، فلما زادوا في الإنكار قالوا: (( وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ ) ) [يس:15] ماذا الجواب؟ قالوا: (( قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ) ) [يس:16] ربنا يعلم: هذا في قوّة: شهد الله، يعني: قسم .. في قوة القسم، ربّنا يعلم: هذا مؤكِّد، (رَبُّنَا يَعْلَمُ(إِنَّا) إِلَيْكُمْ (لَـ) (مُرْسَلُونَ) أربع مؤكِّدات، لما زادَ الإنكار زادت المؤكدات، ولما قلَّ الإنكار مع وجوده: (( إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ ) ) [يس:15] .
(( فَكَذَّبُوهُمَا ) ) [يس:14] قال: (( إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ) ) [يس:14] بمؤكِّدين فقط: (إنا) واسمية الجملة، وهنا اسمية الجملة جاءت في حيِّز المؤكد، فحينئذٍ لا إشكال أن يُقال بأنها مؤكدة.
قال: فزاد بعدَ ما اقتضاهُ المنكِرونْ، فزادَ، مَن؟ أي الرُسل، بَعدُ، أي: فزادَ القائلُ بعد اقتضاء إنكارِ المنكِرين لتلك الزيادة ما اقتضاهُ، أي: ما طلبَهُ إنكارُهم، فزادَ، أي: القائل، بَعدُ، هنا بعدُ بُنيت على الضمِّ لحذف المضاف إليه ونية معناه، لا بد من تقديره.
فزاد بَعدُ، أي: فزاد القائل بعد اقتضاء إنكارِ المنكِرين لتلك الزيادة ما اقتضاهُ الإنكار، يعني: لما زادَ الإنكار زادَ القائل مؤكِّدات. لما زاد الإنكار زادت المؤكِّدات من المُخبِر.