فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 828

إن وافق ظاهرهُ فهو مقتضى الحال ومقتضى الظاهر، وإن لم يُوافق فهو مقتضى الحال لا مقتضى الظاهر، إذن: أيهما أعمُّ؟ مقتضى الحال أعمُّ من مقتضى الظاهر، لماذا؟ لأن مقتضَى الحال، نقول: هو الأمر الداعي، قد يأتي إنسان خالي الذهن وعنده قرينة يتشوَّفُ إلى خبرٍ ما، فيُلقى إليه الخبر مؤكَّدًا، إذن: أُكِّد الخبر الذي أُلقي إلى خالي الذهن، نقول: هذا مقتضى الحال، الحال يقتضي أن يُؤكَّد له الخبر مع كونه خالي الذهن، والأصل في القاعدة: أن خالي الذهن أنه لا يُؤكَّد له الخبر، حينئذٍ نقول: هنا وافقَ مُقتضى الحال لا مقتضى الظاهر؛ لأنّ الحال أعمّ، أو مقتضى الحال أعم من مقتضى الظاهر، فلذلك لا تنافي بين ما قرّرهُ البيانيون في هذا الموضع، وما قد سبق؛ لأن مقتضى الحال، نقول: عام، قد يخرجُ الكلام على مقتضى الظاهر، وقد يخرجُ الكلام لا على مقتضى الظاهر وكلاهما موافقان لمقتضى الحال، فكلُّ مُقتضى الظاهر مُقتضى حالٍ ولا عكس.

هنا قال:

واسْتَحْسِنِ التَّوْكيدَ إِنْ لَوَّحْتَ لَهْ ... بِخَبَرٍ كَسائِلٍ في الْمَنْزِلَةْ

واسْتَحْسِنِ التَّوْكيدَ إِنْ لَوَّحْتَ لَهْ: يقصدُ بهذا أن يُعاملَ خالي الذهن معاملةَ المتردد الطالب فيُلقى الكلام إلى خالي الذهن عن النسبة كما يُلقى إلى المتردِّد، إذن: خالي الذهن القاعدة ومقتضى الظاهر أنه يُلقى إليه الكلام بلا توكيد، لكن قد يُلقى إليه الكلام مؤكَّدًا، فيُعامل معاملة المتردِّد في النسبة.

قال: واسْتَحْسِنِ التَّوْكيد، هذا راجعٌ للنوع الثاني الذي هو طلبي؛ لأنه قالَ هناك: ما لَمْ يَكُنْ في الحُكْمِ ذا تَرْديدِ فَحَسَنٌ، متى يُستحسنُ التوكيد؟ إذا كان الخطاب للطلب؛ إذا كان خطابًا طلبيًا، يعني: إذا أُلقيَ الخبر إلى متردِّدٍ، يعني: تصوَّر النسبة، وتصوَّر طرفي الخبر، لكن شكَّ في الوقوع أو عدم الوقوع، هذا نقول: يُلقى إليهم الخبر، أو يُلقى إليه الخبر مؤكَّدًا بمؤكِّدٍ واحدٍ، قد يُعامل خالي الذهن معاملة المتردِّد الطالب للتأكيد، لكن هل هو على الإطلاق؟ الجواب: لا، قال: إِنْ لَوَّحْتَ لَهْ .. واسْتُحْسِنَ التَّوْكيدُ، يعني: التوكيد لمن؟ لخالي الذهن، فيُعامل معاملة المتردِّد الطالب، فيُلقى إليه الكلام كما يُلقى إلى المتردِّد، فيُصَبُّ لهما الكلام في قالبٍ واحدٍ، متى؟ إِنْ لَوَّحْتَ لَهْ بِخَبَرٍ، إن لوَّحتَ، بمعنى: أشرتَ، التلويح هنا بمعنى الإشارة.

لَوَّحْتَ لَهْ، يعني: للمخاطب الذي هو في الأصل خالي الذهن، بِخَبَرٍ، فحينئذٍ تستشرفُ له نفسُهُ لذلك الخبر فتتطلَّعُ إلى معرفةِ حكم ما، مثّلوا لذلك بقوله تعالى لنوح عليه السلام: (( وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ) ) [هود:37] الشاهد: إنهم مُغرَقون، الحكم بالإغراق هنا هل نوح عليه السلام يعلمُهُ أولًا؟ لا يعلم، إذن: هو خالي الذهن، فلماذا أُكِّد له الخبر هنا؟ (( إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ) ) [هود:37] قالوا: هنا أُلقي إليه وهو خالي الذهن بكلامٍ أو بخبرٍ سابق، (( وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ) ) [هود:37] يعني: لا تدعُني في شأن قومك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت