النهي .. النفس البشرية إذا نُهيت عن شيء تستشرِف، يعني: تتطلع إلى أمرٍ ما وهو: لمَ نُهي عن ذلك؛ لم نُهي عن ذلك؛ لم نُهي عن الدعاء في شأن قوم نوح؟ فجاء الجواب: (( إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ) ) [هود:37] إذن: في قوله: (( وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ) ) [هود:37] هنا إشارة إلى خبَرٍ ما، وهذا الخبرُ هو الذي دَلَّ عليه النهي؛ لأن النهي والأمر في الأصل لا يكون إلا لعلة؛ إلا لسبب، وكل نهي؛ وكل أمرٍ لذلك عند الأصوليين: كل (إنَّ) بعد أمرٍ أو نهيٍ تفيد التعليل، أليس كذلك؟
لماذا أفادت التعليل؟ لأن النهي والأمر تستشرِفُ الناس إلى معرفة ما تضمَّنه هذا الخبر، فثَم خبر أشار إليه اللفظ الأول لا تصريحًا ولا تحقيقًا وإنما تلويحًا، هذا الخبر الذي أشار إليه الخبر الأول تلويحًا .. النفس تَطلَّعَت إلى معرفته، فكأنَّه وقع تَردُّد: (( وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ) ) [هود:37] هل حَقَّتْ عليهم كلمة العذاب أو لا .. هل سيقع الإغراق أو لا .. هذا تَردُّد أو لا؟ تَردُّد، حِينئذٍ جاء التأكيد، فَنُزِّل خالي الذِّهْن - الذي هو نوح عليه السلام لَمَّا أُلقِي إليه الخبر - مُنَزَّلَة المُتَردِّد، لأنَّه شَعرَ في نفسه أنَّ ثَّمَ أمرًا سيقع وعنده علم، لأنَّه قال: (( وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا ) ) [هود:37] إذًا: سيكون العقاب من جنس الإغراق، فحِينئذٍ اسْتشْرَفت نفسه إلى معرفة الحكم: هل سيقع الإغراق أم لا .. هل حكم الرَّبُّ جَلَّ وعلا بالإغراق أم لا؟ فقال: (( إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ) ) [هود:37] .
إذًا: الجواب هنا أُكِّدَ بـ: (إن) استحسانًا لوقوع التَّرَدُّد في نفس نوحٍ عليه السلام، كيف وهو خالي الذِّهن في الأصل؟ نقول: هذا الخبر الذي أُلقي إليه الخبر أولًا تَضمَّنَ خبرًا آخر، أو أشار إشارة ما إلى خبرٍ آخر، هذا الخبر تَعلَّقَت به النَّفْس، فحِينئذٍ وقع تَردُّدٌ في نفسه فجاء الخبر مُؤكَّدًا.
واسْتَحْسِنِ التَّوْكيدَ إِنْ لَوَّحْتَ لَهْ ... بِخَبَرٍ. . . . . . . . . . . . . . .
بعضهم يُعبِّر عن هذا يقول: يُنَزَّل غير السائل مُنَزَّلة السائل، هذا صاحب الأصل (التلخيص) يُعَبِّر بهذا، وهنا نوح عليه السلام لم يسأل، وإن وقع في نفسه سؤالٌ معنوي، لأنَّ لازم النَّهي كما ذكرنا النَّفس تَتَطلَّع إلى هذا، إذا نهي الإنسان عن شيء لا بُدَّ أن يقع في نفسه: لم نهي عنه؟! فحِينئذٍ وقع سؤالٌ معنوي لازم للخبر الأول، (( إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ) ) [هود:37] هذا وقع جواب لسؤال.
وبعضهم يُقَعِّد قاعدة عَامَّة: إذا وقع الجواب سؤالًا لسائل يُؤتَى بـ: (إنَّ) تأكيدًا، ولذلك لَمَّا ذكر أبو العباس المُبَرِّد جوابًا لمن أنكر - أظنُّهُ الكنْدِي - قال:"إنَّ في كلام العرب حَشْوٌ، يقولون: عبد الله قائم، وإنَّ عبد الله قائم، والله إنَّ عبد الله لقائم"هذه ثلاث جُمل، أُكِّدَ الثالث بِمُؤكِّديْن، والثاني بِمُؤكِّدٍ، والأول خالي من التوكيد .. قال: والمعنى واحد، هكذا يقول الكِنْدِي.