إذًا: وقع في كلام العرب ما هو حشو، فقال أبو العباس المُبَرِّد:"بل المعاني مُختلفة: عبد الله قائمٌ، إخبارٌ عن قيامه، وإنَّ عبد الله قائمٌ، جوابٌ عن سؤال السائل - هذا الشاهد -، وإنَّ عبد الله لقائم، هذا جواب إنكار مُنْكِر، إذًا: المعاني مُختلفة، وإن كان المسند والمسند إليه مُتَّحِد: (عبد الله) و (قائم) ، وهذا من سَعَة لغة العرب .. المسند والمسند إليه واحد: (عبد الله) و (قائم) ."
لكن جُرِّدَ في الأول عن المُؤكِّدَات، وأُكِّدَ في الثاني بِمُؤكِّد واحد، وأُكِّدَ في الثالث بِمُؤكِّدين، فقال:"بل المعاني مُختلفة: عبد الله قائمٌ، إخبارٌ عن قيامه فقط، وإنَّ عبد الله قائمٌ، جوابٌ عن سؤال سائل، وإنَّ عبد الله لقائم، جَوابٌ عن إنكار مُنْكِر".
الشاهد: أنَّ بعض البيانيين يرى أنَّ (إنَّ) تقع مُطلقًا في جواب سؤال سائل، ولذلك هنا عَبَّرَ صاحب (التَّلْخِيص) في الأصل:
واسْتَحْسِنِ التَّوْكيدَ إِنْ لَوَّحْتَ لَهْ ..
قال: يُنَزَّل غير السائل مُنَزَّلة السائل، فيُؤكَّد له بِمُؤكِّدٍ واحدٍ استحسانًا، على القاعدة: أنَّ الجواب إذا خرج جواب سؤال سائل يُؤتَى بِمُؤكِّدٍ واحدٍ.
واسْتَحْسِنِ التَّوْكيدَ إِنْ لَوَّحْتَ لَهْ ... بِخَبَرٍ. . . . . . . . . . . . . . .
(لَهْ) يعني: المُخاطَب، (بِخَبَرٍ) فَتَسْتَشرِف نفسه لذلك الخبر، أيْ: تَتَطلَّع إليه، قالوا والاستشراف: استشرف الشيء إذا رفع رأسه ينظر إليه.
لكن عَدَلَ السِّيُوطِي عن هذه العبارة من تنزيل غير السائل مُنَزَّلة السائل: أنَّه قد يُفهَم أنَّ الطَّلبِي هنا الذي هو تأكيد بِمُؤكِّدٍ واحدٍ، لا بُدَّ وأن يقع في جواب سؤال، ولذلك قال:
وَرُبَّمَا خُوُلِفَ ذَاَ فَلْيُورَدِ ... كَلامُ ذُو الخُلُوِّ كَالمُرَدِّدِ
عَبَّرَ بـ: كَلامُ ذُو الخُلُوِّ كَالمُرَدِّدِ ..
نُزِّل الخبر الذي يُلقَى إلى خالي الذِّهْن .. نُزِّلَ خالي الذِّهْن مُنَزَّلة المُتَردِّد فَأُكِّدَ له استحسانًا، بدلًا من أن نقول: ينزل غير السائل منزلة السائل، لأنَّه يُفْهَم، أو قد يَتَبادر، أو فيه نوع إيهام: أنَّه لا بُدَّ من سؤال، وهنا قد يرد: نوح عليه السلام لم يسأل: (( وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ) ) [هود:37] ما ورد سؤال.
فإذا قيل: يُنَزَّلُ غير السائل مُنَزَّلة السائل، قد نكون ظَاهِريَّة فنقول: أين السؤال؟ فلا سؤال، وأجيب عن صاحب (التلخيص) : بأنَّه إن لم يكن سؤال ظاهرًا باللفظ، فالمعنى يستلزم السؤال، والتَّرَدُّد هنا ما حصل إلا لوقوع سؤال في نفس نوحٍ عليه السلام.
.. . . . . . إِنْ لَوَّحْتَ لَهْ ... بِخَبَرٍ كَسائِلٍ في الْمَنْزِلَةْ
يعني: نُزِّل مُنَزَّلَة السائل في المنْزِلة، (كَسائِلٍ) هذا ذكر في الحاشية: أنَّه مُتَعلِّق بِمحذوفٍ خبرٍ لفعلٍ ناقصٍ محذوفٍ معطوفٍ على ما قبله، أيْ: فيصير عند التلويح له بالخبر، وإن لم يَتَردَّد ولم يطلب (كَسائِلٍ) .. كطالبٍ متردد لذلك الخبر، كسائلٍ طالبٍ ومُتَردِّدٍ لذلك الخبر المُلوَّحْ له به (في الْمَنْزِلَةْ) يعني: في المكانة، نُزِّلَ غير السائل مُنَزَّلة السائل.