إذًا: إن لم يكن سؤالٌ في الظَّاهِر، فلا بُدَّ وأن يكون ثَمَّ سؤالٌ في المعنى، هنا قال:
وَرُبَّمَا خُوُلِفَ ذَاَ فَلْيُورَدِ ... كَلامُ ذُو الخُلُوِّ كَالمُرَدِّدِ
إِذَا لَهُ قُدِّمَ مَاَ يُلَوِّحُ ... بِخَبَرٍ فَهْوَ لِفَهْمٍ يَجْنَحُ
(لِفَهْمٍ) يقصد به الاستفهام، فهو يَجنح لِفَهْمٍ، يعني: يَمِيل لاستفهامٍ، وهذا الاستفهام قد يكون باللفظ، وقد يكون في المعنى.
إِذَا لَهُ قُدِّمَ مَاَ يُلَوِّحُ ... بِخَبَرٍ فَهْوَ لِفَهْمٍ يَجْنَحُ
كَمِثْل مَا يَجْنَحُ مَنْ تَرَدَّدَا ... لِطَلَبٍ فَالحُسْنُ أنْ يُؤكَّدَا
حِينئذٍ يُستَحَسن أنْ يُؤكَّد لخالي الذِّهْن .. مَتَى؟ إذا كان عنده نوع تَردُّد، يُحمَل حاله على حال المُتَردِّد، فحِينئذٍ نقول: هل أخرج الكلام على مُقْتضَى الظَّاهِر، أو على غير مُقْتضَى الظَّاهِر؟ على غير مُقْتضَى الظَّاهِر، لأنَّه خالي الذِّهْن.
قد يقول قائل: التَّرَدُّد واقعٌ فيما خرج الكلام على مُقْتضَى الظَّاهِر، وهنا أيضًا التردد واقع، فلماذا جُعِل الثاني مُخالفًا للأول؟ نقول: يُنَزَّل الخالي مُنَزَّلة المُتَردِّد، نقول: هو وقع في نفسه تَردُّد، وأُكِّدَ له الخبر، لماذا لم نجعله كالأول في كون الكلام خرج على مُقْتضَى الظَّاهِر؟ نقول: هنا التَّرَدُّد وقع بالإشارة والتَّضَمُّن .. ليس كالأول، الأول وقع بالفعل، وهنا وقع بالتَّلْوِيح والإشارة، لماذا؟ لأنَّ الخبر الأول أشار إلى جنس الخبر الذي وقع السُّؤال والتَّرَدُّد في النَّفْسِ منه.
(( وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ) ) [هود:37] هنا نقول: هذا الخبر أشار إلى جنس خبرٍ ما، وهذا ليس في الحالة الأولى، الحالة الأولى التَّرَدُّد واقعٌ بالفعل، وهنا التَّرَدُّد مُتوَّهَم، فحِينئذٍ الإشارة وقعت إلى جنس خبر، لا إلى خبرٍ بالفعل، فدلالة هذا الخبر على الخبر الذي أُكِّدَ دلالة لُزومِيَّة وليست دلالة تَضَمُّنِيَّة، لأنَّنَا نقول: يُشِيِر ويُلَوِّح إلى جنس الخبر، وقد لا يكون.
إذًا نقول: ثَمَّ فرقٌ بين المعنيين، فالأول خرج على مُقْتضَى الظَّاهِر، والثاني خرج لا على مُقْتضَى الظَّاهِر:
واسْتَحْسِنِ التَّوْكيدَ إِنْ لَوَّحْتَ لَهْ ... بِخَبَرٍ كَسائِلٍ في الْمَنْزِلَةْ
قال: (وأَلحَقُوا) .. مَنْ .. الواو هنا يُفَسَّر بِماذا؟
أقَلُّ مَا مِنْهُ الْكَلامَ رَكَّبُوا ..
العرب أو النُّحَاة، في مثل هذا التركيب:
أقَلُّ مَا مِنْهُ الْكَلامَ رَكَّبُوا ..
الواو يرجع إلى العرب لأنَّهم أصل، أو إلى النُّحَاة، لكن العرب ابتداءً وتركيبًا وفعلًا وقولًا وعملًا، والنُّحَاة في حكمٌ .. هم لا يبتدئون .. التركيب لا يبتدئون، وإنَّما حكموا.
هنا (وأَلحَقُوا) إمَّا العرب إذا كان بالفعل، وإمَّا البيانيُّون أيْ: حكموا، نقول: (وأَلحَقُوا) مثل هذا التركيب كثير ابن مالك وغيره، وهنا نقول: أمَّا وأخبروا بظرفٍ أو بِحرف جر، نقول: الواو هنا يَحتمل أنَّه إمَّا العرب، وإمَّا النُّحَاة، لكن النُّحَاة ما وضعوه .. ليسوا هم الذين أخبروا، هل هم الذين ابتدئوا الإخبار بالظرف؟ لا ما ابتدئوا، من الذي ابتدأ؟ العرب.