فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 828

لَكنَّه من القرآن .. (( ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ) ) [المؤمنون:15] هل ينكرون الموت؟ هنا أُكِّدَ بِماذا؟ (ثُمَّ إِنَّكُمْ) .. (إِنَّ) .. (بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ) .. اللام، إذًا: أُكِّدَ بِمُؤكِّدين، وهذا يكون للمُنْكِر، هم لا ينكرون الموت، ولَكنَّهَم لَمَّا أعرضوا عن الاستعداد لِمَا بعد الموت، نُزِّلُوا في الخطاب مُنَزَّلَة من يُنْكِر الموت.

إذًا: عرفنا الأول:

وأَلحَقُوا أمَارةَ الإِنكار بِهْ ..

أي: ألحقوا عدم الإنكار المصاحب لأمَارة الإنكار بالإنكار، يُجْعَل المُقِرُّ بِحكمٍ حاكمٍ به مثل المنكر .. مَتَى؟ إذا ظهر عليه شيءٌ من أمَارات الإنكار، ولذلك عَبَّرَ في الأصل (التلخيص) و (الإيضاح) : أنَّه يُنَزَّلُ غير المُنْكِر مَنْزِلَة المنكر، فيُلقَى إليه الحكم مُؤكَّدًا كما يُلْقَى إلى المنكر، هذا إخراجٌ له على مُقْتضَى الظَّاهِر أو على غير مُقْتضَى الظَّاهِر؟ على غير مُقْتضَى الظَّاهِر، لأنَّ الأصل أنَّه يُلْقَى إليه خاليًا من المُؤكِّدَات؛ لأنَّه مُقِر.

(كَعَكْسِهِ) أيْ: مثل عكسه، هنا قلنا في الأول: عُومِلَ المُقِر مثل المُنْكِر .. عكسه: المُنْكِر مثل المُقِر.

(كَعَكْسِهِ) أي: كمُخالِفه (لِنُكْتَةٍ لَمْ تَشْتَبِهْ) .. (كَعَكْسِهِ) أي: جَعْل المُنْكِر كالمقر إذا كان معه دلائل وشواهد معلومةٌ له أو محسوسة، إمَّا معلومة يَقِينِيَّة، أو محسوسة عنده، لو تَأمَّلَها ونظر فيها دَلَّتْه هذه الدَّلائل والشواهد، وارتدع عن إنكاره.

قالوا: كما لو قال من يعادي الإسلام، أو: إذا رأيت من ينكر الإسلام قلت له: الإسلام حَقٌ .. (الإسلام حَقٌ) هنا خالي عن المُؤكِّدَات، وهو يُنْكِر أحَقِيَّة الإسلام، نقول: لا .. الإسلام له دلائل، وله شواهد ظاهرة بَيِّنَة واضحة معلومة عنده، مستكبرًا عن التَّسْلِيم لها، أو محسوسة يرى شواهدها في الخارج، ولَكنَّه لو تَأمَّلَ هذه الدَّلائل وهذه الشواهد، لارتدع عن إنكاره، فحِينئذٍ يُعامَل مُعامَلة المُقِرْ، فيُقَال له: الإسلام حقٌ.

ولذلك جاء في تمام الآية السابقة: (( ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ ) ) [المؤمنون: 15 - 16] انظر! (( ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ) ) [المؤمنون:15] الموت وهم مُقرُّون به، أَكَّدَه بِمُؤكِّدَين .. (( ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ ) ) [المؤمنون: 15 - 16] أَكَّدَ الموت بِمُؤكِّدين .. (( ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ ) ) [المؤمنون:16] أَكَّدَه بِمُؤكِّدٍ واحد، مع كون إنكار البعث هذا واقع وحاصل، وأصحابه كُثُرْ بِخلاف الموت، لكن لَمَّا كان البعث فيه من الدَّلائل والشَّوَاهد العَقليَّة والحِسِيَّة ما لو تَأمَّلَها المُتأمِّل لارتدع عن إنكاره، فلذلك أُكِّدَ بِمُؤكِّدٍ واحد، لأنَّ وجود هذه الدَّلائل إمَّا أن تَجعله يعترف، وإمَّا أن تَجعله يَتَردَّد، أمَّا ينكر فلا، فلذلك أُكِّدَ بِمُؤكِّدٍ واحدٍ .. كأنَّه مُتردِّد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت