فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 828

وهذه لا يُتصَوَّر وجودها في الأسماء، لأنَّها لا تخرج عن هذه الأربعة أو الخمسة معان، فإذا لم تخرج عنها .. كان معناها مُنْحَصِر في هذه الأربعة، وهذه الأربعة لا توجد ولا يُتَصوَّر إلا في الفعل، ولا توجد في الأسماء، حِينئذٍ اخْتصَّت بالفعل دون الاسم، إذًا إذا قيل: لماذا اخْتَصَّت (قَدْ) بالفعل دون الاسم؟ نقول: لأنَّ (قَدْ) تفيد التَّوقُّع، وتفيد التَّحْقِيق، وتفيد التَّقلِيل والتَّكثِير، والتَّوقُّع إنَّما يكون للحدث، والتَّحقِيق إنَّما يكون للحدث، والتَّقلِيل والتَّكثِير إنَّما تكون في الأحداث، والأسماء في الأصل أنَّها جامدة وتَدلُّ على ذات، ليس فيها تقليل ولا تكثير، ولا تحقيق ولا تقريب.

(قَدْ) تدخل على الجملة الفِعليَّة، هل كل فعلٍ تدخل عليه (قَدْ) .. يصح تأكيده؟ الماضي والمضارع فقط، أمَّا الأمر .. لأنَّه إنشاء، يعني: غير مُحَقَّق، (قَدْ) الأصل أنَّها تفيد التَّحقيق، والأمر غير مُحَقَّق، فامتنع دخول (قَدْ) على الأمر لكونه غير مُحَقَّق، و (قَدْ) هذه من المُؤكِّدَات مُطلقًا، والذي يُؤكَّد هو الموجود، أو الذي هو قريب الوجود، أمَّا المعدوم، وغير الموجود، وغير المُحَقَّق هذا لا يمكن تأكيده.

ولذلك اشترط لدخول (قَدْ) على الماضي وعلى المضارع: أن يكون مُثبتًا لا مَنفِيًا: قد ما قام! عند الجمهور لا يصح، لماذا؟ لأنَّ المنفي غير مُحَقَّق، و (قَدْ) هذه مُؤكِّدَة تفيد التحقيق، إذًا: النفي والتأكيد الأصل أنَّهما لا يجتمعان.

كذلك يشترط فيه: أن يكون إنشائيًا لا خبريًا: قد بعت .. قد اشتريت، وتقصد به الإنشاء لا يصح، ومنه فعل الأمر.

أمَّا كونه لا يفصل بينهما فاصل، لماذا؟ لأنَّ (قَدْ) نُزِّلَت مُنَزَّلَة الجزء من مدخولها، ولذلك كل حرفٍ يُؤثِّر في معنى مدخوله فالأصل أنَّه مُنَزَّلٌ مُنَزَّلة الجزء منه، وإذا نُزِّلَ مُنَزَّلَة الجزء منه فلا يعمل، مثل (أل) التي تدخل على الأسماء، لَمَّا اخْتَصَّت بالاسم، نقول: الأصل في الحرف المُخْتَص أن يعمل .. أن يعمل الأثر الذي اخْتَصَّ به مدخوله .. هذا الأصل.

حرف الجر اخْتصَّ بالأسماء، فالأصل أنَّه يعمل وقد عمل، والأصل أنَّه يعمل الجر، إذًا: وافق الأصلين، (إنَّ) اخْتَصَّت بالجملة الاسْميَّة، فالأصل أنَّها تعمل وقد عملت، والأصل أنَّها تعمل الجر، ولكن عُدِلَ عنه إلى النَّصْب .. لا بُدَّ من سؤال عن الحكمة.

فحِينئذٍ نقول: (قَدْ) دخلت على الفعل ولم تعمل، لماذا؟ لأنَّها نُزِّلَت مُنَزَّلة الجزء من مدخوله، فحِينئذٍ لا يصح أن يُفصَلَ بينهما، فلا يقال: قد هو قام.

هذه ثلاثة شروط يُزَاد عليها: أن يكون الفعل مُتصَرِّفًا لا جامدًا، هذه أربعة شروط يُشتَرَط في كُلِّ فِعلٍ مضارع أو ماضي صِحَّة دخول (قَدْ) عليه:

-أن يكون مثبتًا لا منفيًا.

-خبريًا لا إنشائيًا.

-ألا يفصل بينهما فاصل.

-أن يكون مُتصَرِّفًا لا جامدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت