إذا دخلت على جملة مُصدَّرةٍ بـ: (إِنَّ) إنَّ زيدٌ قائمٌ، ودخلت لام الابتداء وهي للتوكيد، و (إِنَّ) للتوكيد، قالوا: لا يجتمع حرفان بِمعنىً واحد، لأنَّ (إِنَّ) للتوكيد، واللام للتوكيد، ومَحلُّ الحرفين واحد، وهذا عندهم لا نظير له، فحِينئذٍ زُحْلِقَت اللام إلى الخبر فقيل: إنَّ زيدًا لقائمٌ، هذه اللام هي لام الابتداء، الأصل أنَّها تدخل على الأول: لإنَّ زيدًا قائمٌ .. أو: لأنَّ زيدًا قائمٌ، ولكن للام للابتداء تفيد التوكيد، و (إِنَّ) تفيد التوكيد، اجتمع مُؤكِّدَان في مَحلٍّ واحد، فزُحْلِقَت اللام، ولم تُزحْلَق (إِنَّ) لماذا؟
قالوا: لأنَّ (إِنَّ) تعمل، واللام لا عمل لها، وزَحْلَقة ما ليس له عمل أولى من مِمَّا له عمل - وهذا صحيح - والأصل في هذا السَّمَاع .. الأصل في هذا أنَّه نُقِلَ عن العرب هكذا: إنَّ زيدًا لقائمٌ، أمَّا التَّعليلات فهذه مِمَّا استنبطها النُّحَاة.
إذًا: لام الابتداء تُعدُّ من المُؤكِّدَات في سياق الإثبات.
(ونُونَيِ الْتَّوْكيدِ) .. (نُونَيِ) هذا بالتَّثْنيَّة، حُذِفَت النون للإضافة - أصلها: نونين - لأنَّه قائم مقام التنوين، والتنوين لا يُجامع الإضافة:
نُونًا تَلِي الإِعْرَابَ أو تَنْوِينَا ... مِمَّا تُضِيفُ احْذِفْ. . . . .
(احْذِفْ) هذا وجوبًا، الأمر مطلق يفيد الوجوب.
(ونُونَيِ الْتَّوْكيدِ) نقول: هذا من إضافة الدَّال إلى المدلول، (نُونَيِ) يعني: نونٌ تَدلُّ على التوكيد، والتوكيد هو التَّقويَّة .. من إضافة الدَّال إلى المدْلُول، مثل ماذا؟
لِلْفِعْلِ تَوْكِيدٌ بِنُونَيْنِ هُمَا ... كَنُونَيِ اذْهَبَنَّ وَاقْصِدَنْهُمَا
إذًا: هاتان النُّونان خَاصَّتَان بالجملة الفِعليَّة، أمَّا تأكيد الاسم كاسم الفاعل قالوا: هذا شَاذٌّ:
أَقَائِلُنَّ أَحْضِرُوا الشُّهُوْدَا ..
هذا شاذ، (أَقَائِلُنَّ) النون هذه أَكَّدَت اسم الفاعل، قالوا: شاذ ولا يُؤكَّد إلا الفعل بشروط يُذْكَر في باب التوكيد في النَّحْو.
إذًا (ونُونَيِ الْتَّوْكيدِ) : اذْهَبَنَّ يا زيد .. اذْهَبَنْ يا زيد .. (( لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ ) ) [يوسف:32] دخلت في النون الثقيلة والنون الخفيفة.
(وَاسْمٍ) أيْ: اسْميَّة الجملة، اشتهر عند النُّحَاة: أنَّ الجملة الاسْميَّة .. أولًا: الجملة الاسْميَّة هي ما بُدِأت باسمٍ، والجملة الفِعليَّة هي ما بُدِأت بِفعلٍ:
إنْ بُدِئَتْ بِالاسْمِ فَهْيَ اسْميَّة ... أو بُدِئَت بِالْفِعْل قُلْ فِعْليَّة
كُلُّ كَلاَمٍ جُمْلَةٌ لا تَنْعَكِسْ ... وَجُمْلَةٌ قِسْمانِ لَيْسَ تَلْتَبِسْ
اسْميَّةٌ فَهِيَ بِالاسْمِ تُبْتدا ... فِعْلِيَّةٌ بِالفِعْلِ فَابْدأْ أَبَدَا
إذًا: ما كان المسند إليه اسْمًا، ولو تَقَدَّم عليه ما لا يخرجه عن الاسْميَّة مثل (إِنَّ) ونحوها، أو بدئ بفعلٍ أصالةً، ولم يَتَقدَّم عليه ما يخرجه عن الجملة الفِعليَّة، نقول: هذه جملةٌ اسْميَّة وهذه جملة فِعليَّة، اشتهر أنَّ الجملة الاسْميَّة تفيد التوكيد، وسبق أنَّه يُقيَّد بالقصد من أجل الخطاب، أو إلقاء الخبر إلى خالي الذِّهْن.