لو قال قائل: معناهما واحد، ودعونا من هذا التَّكَلُّف! نقول: يلزم منه أنَّ هذا الحديث .. قول النبي صلى الله عليه وسلم فيه ما هو تكرار وحشو، وعليه يَتَأكَّدْ ما ذكره النُّحَاة وغيرهم: {إِنَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ} حَمِدَ بالجملة الاسْميَّة الدَّاَلَة على الثُّبُوت والدَّوَام، لأنَّ مُتَعلَّق الحمد هو الذَّات، والذَّات دائمةٌ مستمرةٌ فناسب أن يحمد بصيغة تَدلُّ على الدَّوَام والثُّبُوت.
(نَحْمَدُهُ) قالوا: هذا جاء بالصيغة الدَّاَلة على التَّجَدُّد والاستمرار، لأنَّه لا بُدَّ أن يكون مُتَعلَّق الحمد في الجملة الثانية مُغَايِر للأول، وحِينئذٍ يَتَعلَّق بالحمد بالإنعام والنِّعْمَة، وهذه مُتَجَدِّدَة، تقع مرةً بعد أخرى، فناسب أن يَحْمَد الرَّبَّ على النِّعْم المُتَجدِّدَة بصيغة تَدلُّ على التَّجَدُّد .. معنىً جميل! {إِنَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ} .
إذًا: الجملة الاسْميَّة، قال (وَاسْمٍ) نقول: تُفِيد الدَّوَامَ والثُّبُوت، ومن هنا جاء التَّأكيد، لأنَّ التأكيد تقوية، فإذا قيل: زيدٌ قائمٌ، ذات (زيد) ثابتة غير مُتَغيِّرة هذا تأكيد، إذًا: الاسْميَّة تَدلُّ على التَّأكيد من جهة دلالة المبتدأ على ذاتٍ غير قابلة للتَّغَيُّر، بِخلاف الجملة الفِعليَّة بنوعيها: المضارع والماضي، لكن المراد بالمضارع هنا: الاستمرار التَّجَدُّدِي، بِمعنى: حصول الشيء مرةً بعد أخرى، وفي الماضي بِمعنى: وجود بعد عدمٍ.
بِقَسَمٍ قَدْ إِنَّ لامِ الابْتِدا ... ونُونَيِ الْتَّوْكيدِ وَاسْمٍ أَكِّدَا
أو: (أُكِّدَا) .
والنَّفْيُ كَالإثْبَاتِ فِي ذَا الْبابِ ..
إذًا: كُلُّ ما سبق هذا يَتَعلَّق بالإثبات، يرد السؤال: هل النَّفِي كالإثبات، يُلْقَى إلى خالي الذِّهْن .. يُلْقَى إلى المُتَردِّد .. يُلْقَى إلى المُنْكِر؟ نعم.
قال: (والنَّفْيُ كَالإثْبَاتِ) هذا عَطفٌ على مُقدَّر كما قال المُحشِّي، أيْ: هذا الذي ذَكَرتُه هو ما يَتَعلَّق بالإثبات، (والنَّفْيُ كَالإثْبَاتِ) أي: الخبر المنفي كالخبر المثبت من حيث التَّجْرِيد عن المُؤكِّدَات في الابتداء، فتقول: ليس زيدٌ قائمٌ، هنا أُلْقِي لِخالي الذِّهْن، أو: ما زيدٌ قائمٌ أو قائمًا، أُعمِلَت إعْمَال (ليس) أو لا، نقول: هذا أُلْقي النَّفْي إلى خالي الذِّهْن.
أو التَّقْوية بِمُؤكِّدٍ استحسانًا في الطَّلْب، نحو: ما زَيدٌ بِقائمٍ .. جئنا بالباء، أُكِّدَ بِمُؤكِّدٍ واحدٍ وهو الباء، ليس زيدٌ بِقائمٍ .. لا رَجُلَ في الدَّارِ، (لا رجل) هذا مُؤكِّد، (لا) النَّافِية للجنس، لأنَّ: لا رَجْلَ، آكد من قولك: لا رَجلٌ بالرَّفْع، (لا رَجُلٌ) يَحتمل، و (لا رَجُلَ) لا يحتمل .. لا رَجُلَ في الدَّار بل امرأةٌ، والثاني يصح أن تقول: لا رَجُلٌ في الدَّار بل رجلان، أمَّا الأول فلا .. لا رَجُلَ في الدَّار بل رجلان، هذا تناقض، وإنَّما يَصِح أن تُغاير في الجنس: لا رَجُلَ في الدَّار بل امرأةٌ.
إذًا نقول (والنَّفْيُ كَالإثْبَاتِ) ، والتَّقويَة بِمُؤكِّدٍ استحسانًا في الطَّلْب، ووجوب التَّأكيد بِحسب الإنكار في الإنكار، فتقول: والله ما زَيدٌ بِقائمٍ، جئت بِمُؤكِّدَين، أين هما؟ القسم والباء.