والنَّفْيُ كَالإثْبَاتِ فِي ذَا الْبابِ ..
يعني: في هذا الباب، وهو باب: أحوال الإسناد الخبري.
يَجْري عَلَى الثَّلاثَةِ الأَلْقابِ ..
يعني: الأنواع .. الوجوه الثلاثة السابقة كما ذكرناه في الأمثلة، يعني: يُلْقَى الكلام المنفي، أو الخبر المنفي إلى خالي الذِّهْنِ بلا توكيد، ويُلْقَى إلى المُتَردِّد بِمُؤكِّدٍ واحدٍ استحسانًا، ويُلْقَى إلى المنكر بِمُؤكِّدٍ فأكثر وجوبًا، هذا إذا خرج على مُقْتضَى الظَّاهِر، وقد يخرج على غير مُقْتضَى الظِّاهِر كما سبق، فيُؤكَّدُ لخالي الذِّهْن، ويُجْعَل المُقِر كالمُنْكِر، ويجعل المُنْكِر كالمُقِر كما سبق.
ثُمَّ ذكر بعض ما يُؤكَّد به الخبر المنفي، قال:
بِإِنْ وَكانَ لامٍ أَوْ بَاءٍ يَمينْ ... كَـ"مَا جَلِيسُ الفَاسِقِيْنَ بِالأمِيْن"
(بِإِنْ) بالكسر والسكون، هذا جار ومجرور مُتَعلِّق بِمحذوف معلومٌ من السِّيَاق، يعني: أَكِّدْ بـ: (إِنْ) في النَّفْي، أو يُؤكَّد بـ: (إِنْ) في النَّفْي، لا بُدَّ أن تُعلِّقَه، كالأول قال: (بِقَسَمٍ أَكِّدَا) هنا بـ: (إِنْ) لا بُدَّ من مُتَعلَّق يَتَعلَق به .. بـ: (إِنْ) الزائدة، (إِنْ) تُزَاد بعد (ما) : ما إنْ زَيدٌ قَائمٌ، نقول: (ما) هذه نَافية، (إنْ) حرف نفي.
ليس كل ما وجدت (إِنْ) فهي حرف نفي، مثل ماذا غير حرف نفي؟ شرطية: إنْ قام زيدٌ قمت، (( إِنْ هَذَانِ ) ) [طه:63] مُخَفَّفة من الثقيلة، إذًا: ليس كلما وجدت (إِنْ) فهي للنفي أو زائدة، (( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ) ) [الأنعام:57] هذا نافية بِمنْزلة (ما) ، بدليل (إلا) : (( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ) ) [الأنعام:57] .
إذًا نقول: ما إن زيدٌ قائمُ، (ما) هذه للنَّفْي، (إنْ) زائدة، (زيدٌ قائمٌ) مبتدأ وخبر، وإن جعلنا (ما) هذه حِجَازيَّة بَطَلَ عملها على قول الجمهور، الأصل: ما زيدٌ قائمٌ:
وَمَا الَّتِي تَنْفِي كَلَيْسَ النَّاصِبَهْ ... فِي قَوْلِ سُكَّانِ الْحِجَازِ قَاطِبَهْ
فَقَوْلُهُمْ مَا عَامِرٌ مُوَافِقًا ... كَقَوْلِهِمْ لَيْسَ سَعِيدٌ صَادِقًا
حِينئذٍ نقول: ما زيدٌ قائمٌ، هذا على لغة أهل الحجاز: (( مَا هَذَا بَشَرًا ) ) [يوسف:31] .. (( مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ ) ) [المجادلة:2] ما زيدٌ قائمٌ، هذه تَمِيميَّة، وكل ما ورد في القرآن مِمَّا يَحتمل حِجازيَّة، لأنَّه صُرِّحَ بإعمال الحِجَازيَّة: (مَا هَذَا بَشَرًا) فحِينئذٍ نقول (( وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ ) ) [البقرة:74] (بِغَافِلٍ) على الأفصح كيف نُعرِبُها؟ الباء صلة توكيد، و (غَافِلٍ) هذا منصوب، وعلى لغة تميم يكون خبر مرفوع .. ليس منصوبًا، لكن كُلُّ ما احتمل نُفسِّرُه بالحِجَازيَّة.
ما إنْ زَيدٌ قائمٌ ..
بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ... وَلاَ صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الخَزَفُ
هذا فيه روايتان: الجمهور على أنَّ (ذَهَبٌ) هذا خبر المبتدأ، و (إِنْ) هنا أبطلت عمل (مَا) ، لأنَّه يُشتَرط في إعمال (مَا) : ألا تليها (إِنْ) :
إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُونَ إِنْ ..
فإنْ وجدت (إِنْ) بَطَلَ عملها، لكن روى بعضهم - أظنُّه ابن السِّكِّيِتْ:
بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبًا ... وَلاَ صَرِيفًا. . . . . . . . . . . .