فهرس الكتاب

الصفحة 163 من 828

لذلك قالَ بعضهم: قدَّمَ الفصل نظرًا إلى أنهما من أحوال الإسناد، هذا تعليلٌ آخر؛ نظرًا إلى أنهما، يعني: الحقيقة والمجاز العقليين من أحوال الإسناد، يعني: مِن الصفات العارضة للإسناد كالتأكيد والتجريد عنه، واتصاف الكلام بهما هو باعتبار الإسناد.

إذن: وُصِفَ الكلام بالحقيقة والمجاز باعتبارِ الإسناد، لماذا؟ لأنه لا كلامَ إلا بإسنادٍ، ولعلَّ قصده .. الناظم كأصلِهِ: أن في المجاز العقلي نوعًا من التأكيد كما في المجاز اللغوي، وأن في الحقيقة العقلية نوعًا من التجريد كما في الحقيقة اللغوية، إذن: القسمة رُباعية: مجازٌ عقلي، ومجاز لغوي .. حقيقة لغوية وحقيقة عقلية، مبحثُ الحقيقة اللغوية والمجاز اللغوي في علم البيان، ومبحثُ الحقيقةِ العقلية والمجاز العقلي في مبحث علم المعاني.

وقيل: إن للحقيقة والمجاز اعتبارين، يعني: يمكن أن ننظرَ إلى الإسناد، نقول: هو أصل الكلام، والأصل أنه يُوصَف بالحقيقة والمجاز، وبعضهم يرى أن الأصل في المجاز والحقيقة أنه يُوصَف به اللفظ فيكون للكلام، قالوا: ننظر للحقيقة والمجاز باعتبارين:

باعتبار يكون الأنسب أن يُذكَرَ في علم المعاني، وباعتبارٍ آخر يكون الأنسب والأولى أن يُذكَرَ في علم البيان، فمن حيث كونهما حقيقةً ومجازًا هما داخلان في علم البيان، من جهة الوصف نفسه: حقيقة ومجاز .. هما داخلان في علم البيان؛ لأن البحث عن المجاز وهو تَعلُّقهُ بكيفية الدلالة من وظائفه، يعني: من وظائف علم البيان، وسيأتي بحثه اللفظ المستعمل إلى آخره.

ومن حيث كونهما من أحوال الإسناد، إذن: يُوصَفُ بهما اللفظ ويوصف بهما الإسناد، إن راعينا الجهة الأولى جعلناه في علم البيان، وكما أنه يُوصَفُ اللفظ بالحقيقة والمجاز يُوصَفُ كذلك الإسناد بالحقيقة والمجاز، مِن هذه الحيثية الثانية نقول: يُجعَلُ في علم البيان، ومن حيث كونهما من أحوال الإسناد التي بها يُطابِقُ الكلام مقتضى الحال هما داخلان في علم المعاني.

ولا يَنبني على هذا الخلاف إلا أنه هذا الفصل أينَ موضِعُهُ فقط، هل هو في علم المعاني، أو في علم البيان؟ والخُلْف لفظي، أن لا ينبني أمرٌ عليهما.

إذن: لفظُ الحقيقة والمجاز تارةً يُقصَد بهما الألفاظ، وهذا يأتي مبحثُهُ في علم البيان، وهو معناهما الاصطلاحي، وتارةً يُقصَدُ بهما المعاني وهو التَجَوّزُ في الإسناد وعدمُهُ كما هنا، ولذلك المجاز المفرد الذي ذكرناه البارحة .. المجاز المفرد عرفناه بأنه:

ثم المجازُ ما به تُجُوِّزَا في اللفظ عن موضعه تَجَوُّزَا

اللفظ المستعمل، هكذا عبارة أكثر الأصوليين: اللفظُ المستعمل، إذن: الموصوف بالمجاز هو اللفظ، بعضهم يَعدِلُ عن هذه العبارة وهي مدخولة، يقول المجاز: هو استعمالُ اللفظِ في غير موضوعِهِ الأصلي، فَرقٌ بين المعنيين، أو التعريفيين، الأصل أن يُقالَ المجاز: هو اللفظ المستعمل، فحينئذٍ يكون الاستعمال وصفًا للفظ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت