نهارُهُ صائمٌ، قلنا: أُسنِد إلى الزمن .. لا، نهارُهُ صائمٌ، هنا ظرف؟ نهار .. ظرف ماذا؟ ظرف زمان، نهرٌ جارٍ ظرف مكان، إذن: للفعل ملابَسات، إذا أُسنِدَ الفعل وما في معناه إلى الفاعل الحقيقي في الاصطلاح، وإلى المفعول إذا ارتفعَ، نقول: هذه حقيقةٌ عقلية، إذا أُسنِدَ إلى غير مَن هو له، أو إلى غير ما هو له نقولُ: هذا فيما إذا أُسنِدَ إلى غير الفاعل والمفعول المرتفع، فكلُّ فعلٍ أو ما في معناه أُسنِدَ إلى المصدر نقول: هذا أُسنِدَ إلى غير ما هو له، وكل فعلٍ أو ما في معناه أُسنِدَ إلى ضمير الظرف .. ظرف الزمان، أو ضمير ظرف المكان، نقول: أُسنِدَ إلى غير ما هو له، لكن بالشرط الآتي:
إسنادُ الفعل أو ما في معناه إلى غير ما هو له بتأوُّلٍ، لا بد من تأوُّل، والمراد بالتأول هنا: أن تُنصَب قرينة لفظية أو معنوية أو عادية كما سيأتي تَدلُّ على أن يكون الإسنادُ إلى ما هو له، لا بدّ من قرينة صارفة عن إرادة الإسنادِ إلى مَن هو له؛ لأن قد يُسنَد الشيء إلى اللفظ، ويكونُ في اعتقاد المتكلِّم، أنبتَ الربيعُ البقل، هذا ننظرُ إلى القائل: إن كان جاهلًا الذي هو الكافر، هل أسندَ الشيء إلى ما هو له، أو إلى غيرِ ما هو له؟ في اعتقاد الكافر إلى ما هو له، طيب! في الواقع؟ إلى غير ما هو له.
إذا أتى بقرينة لفظية تدلُّ على أنه ينسِبُ الأشياء الحوادث إلى الربّ جل وعلا، نقول: هذه قرينة لفظية أشارت إلى أن مُرادَه أنبت الربيعُ البقل: أن اللهَ عزّ وجل هو المُنبِت الأصل، وإنما أَسندَ الإنبات إلى الربيع من جهة كونه سبَبًَا فقط، إذن: إذا أُقيمت قرينة تدلُّ على أن المراد من إسناد الشيء إلى غير ما هو له، فنقولُ حينئذٍ: هذا مجاز عقلي، لا بدّ من قرينة صارفة تصرِفُ أن هذا الإسناد عند المتكلِّم من كونه ما هو له إلى غير ما هو له؛ إسنادُ فعلٍ أو ما في معناه إلى غير ما هو له.
إذا أُسنِدَ الفعلُ إلى غير ما هو له كالمصدر واسم الفاعل، واسم المفعول إلى آخره، وقامت قرينة تدلُّ على أن اعتقادَ هذا المتكلم أَسنَدَ الفعل إلى غير ما هو له نقول: هذا مجازٌ عقلي، إذا أَسنَدَ الشيءَ إلى غيرِ ما هو له دونَ قرينة فهو حقيقة عقليّة، إذن: إسنادُ الشيء إلى غير ما هو له نقولُ: لا نحكمُ عليه مُطلقًا أنه مجاز عقلي، لا بدّ من أن ينصب قرينة تدلّ على أنه أراد نسبة الشيء إلى غير ما هو له، فإن لم ينصب قرينة جعلناهُ ماذا؟ جعلناهُ حقيقة عقلية، كما في قول الجاهل: أنبتَ الربيعُ البقل، ومنه قول القائل:
أشابَ الصغيرَ وأفنى الكبيرَ كرُّ الغداةِ ومرُّ العشي
أشابَ الصغيرَ كرُّ الغداة: هنا أَسنَدَ ماذا؟ أشابَ وأفنى إلى الكرّ والمرّ، هل هذا إسناد الشيء إلى ما هو له، أو إلى غير ما هو له؟ إلى غير ما هو له. هل أقام قرينة تدلُّ على أن مراده بالنسبة هنا أن الله هو الأصل المُحدِث، أم لم يُقم قرينة؟ لم قرينة، فنحملُهُ على ماذا: المجاز العقلي أو الحقيقة العقلية؟ الحقيقة العقلية، بهذا نصَّ السيوطي رحمه الله تعالى.