والثاني: أن يُسنَدَ للملابَس ليس له يُبنى عند المتكلم في الظاهر كثَوبٍ لابِسٍ، لابسٍ هذا فيه ضمير، أُسنِدَ إلى ضميرِ الثوب، يَعودُ إلى الثوب، والثوب هذا في الأصل مفعولٌ به وليس بفاعل، (( عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ) ) [الحاقة:21] راضية: أُسنِدَ إلى الضمير، الضمير هذا فاعل يرجِعُ إلى العيشة، والعيشة في الأصل هي مفعولٌ به وليست بفاعل، إذن: أُسنِدَ إلى غير ما هو له: سيلٌ مُفعَمٌ، الأصل أن يقول: سيلٌ مُفعِم، بمعنى: سيل مُفعِم من أفْعَمَ الإناء إذا ملأه، هل السيل مملوءٌ أو مالئٌ؟ أفعمَ السيلُ الوادي، يعني: ملأ السيلُ الوادي، حينئذٍ السيل مُفْعَمٌ هذا فيه ضمير يعود إلى السيل، أليس كذلك؟ وهو نائبُ فاعل، وفي الأصل: أفعَمَ السيلُ الوادي، أُسنِدَ الفعلُ إلى غير مَن هو له، ولذلك يُقدِّرون تركيبا غريبا في الشروح يقولون: الأصل: أفعَمَ السيلُ الوادي، فجُعل الفاعلُ مفعولا، هكذا حتى في الشرح ذكره.
أَفعَمَ الوادي السيلَ، فحُذِف الفاعل، فأُقيم المفعولُ مقامه، يعني: جُعل الفاعلُ مفعولًا، السيلُ صار السيلَ، ثم قيل:"أَفعَمَ السيلَ""أَفعَمَ السيلُ""أُفعِمَ السيلُ""السيلُ مُفعَمٌ". أُخِذ من أُفعِمَ اسم مفعول، فقيل: السيلُ مُفعَمٌ، والأصل أنه مُفعِمٌ، السيلُ مُفعَمٌ هو، والأصل فيه السيل أنه فاعل، وليس بمفعول فيه، لماذا؟ لأن السيل هو الذي يملأ الوادي، وليس الوادي هو الذي يملأ السيل.
على كلٍ هذه الأصل أنها تبقى على ظاهرها، ولكن التكلُّف هذا الذي جعَلَهم يردون الأشياء إلى أصولها مع ارتكاب مخالفات كلُّهم من أجلِ أن يبيِّنوا وجه المجاز العقلي، لبسَ زيدٌ ثوبًا .. لبسَ ثوبًا .. ثوبٌ بالرفع، إذن: حصلَ المجاز العقلي، إذن: ثوبٌ لابِسٌ هذا ليس مجازا عقليا من حيث اللفظ فحسب، وإنما من حيث أصل التركيب، ولذلك في الشرح يقول: إذا جاء بالتركيب، يقول: وهنا حصلَ المجاز العقلي، وليس في النتيجة، لكن نقولُ: الأصل أنه يبقى على ما نُقِلَ عن لغة العرب فيُحكم عليه بالمجاز إن قلنا بالمجاز.
أقسامُهُ بِحَسَبِ النَّوْعَيْنِ فيْ ... جُزْأيهِ أَرْبَعٌ بِلا تَكَلُّفِ
أقسامه، أي: المجاز العقلي ينقسم إلى أربعة أقسام، بَحَسَب النَوعَينِ، ما هما النوعان؟ النوعُ الذي هو حقيقة عقلية، والنوع الذي هو مجازٌ عقلي، كذلك؟"أقسامُهُ"الضمير يعودُ إلى المجاز العقلي، فكيف ينقسم إلى .. بحسب النوعين؟! بَحَسَب النَوعَينِ، يعني: الحقيقة والمجاز، الآن يَنظُرُ إلى الجزأين؛ إلى الطرفين، لا علاقة له، المجاز العقلي محكومٌ عليه أنه مجازٌ عقلي، لكن الطرف الأول الذي هو المسند والمسند إليه، قد يكونُ مستعمَلًا في معناه، وقد يكونُ منقولًا عن معناه.
إذن: المجاز هنا النوعين: المجاز والحقيقة المراد بها المجاز اللغوي، والحقيقة اللغوية: الذي هو استعمال اللفظ في موضوعِهِ، والمجازُ اللغوي الذي هو استعمال اللفظ في غير .. أو اللفظ المستعمَل في غير موضوعه.